تسلية مؤقتة أم تهديد دائم

| د.حورية الديري

في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات الصغيرة رفيقًا دائمًا للأطفال ونافذة مفتوحة على عالمٍ واسع من الصور والمقاطع والمعلومات، لكن خلف هذه التسلية البريئة يختبئ عالمٌ معقد يحمل في طياته مخاطر لا تُرى بالعين المجرّدة، تترك آثارًا عميقة في وجدان الطفل وسلوكه. كما تعلمون يعيش أطفال اليوم تجربة رقمية مبكرة، يتعرفون فيها على الآخرين ويتعلمون الكثير من خلال المحتوى المرئي والتفاعلي إلا أن هذا الانفتاح، إذا لم يُوجَّه، يمكن أن يعرّضهم لمشاهد غير مناسبة أو لمقارنات تزرع فيهم القلق والشعور بالنقص. ومع ازدياد ظاهرة التنمر الإلكتروني، بات الطفل يواجه تهديدات نفسية جديدة قد تفوق ما كان يتعرض له في العالم الواقعي. والمشكلة لا تكمن في المنصات ذاتها، بل في الاستخدام غير المتوازن لها، فالإفراط في التصفح والمشاهدة يعزل الطفل تدريجيًا عن أسرته وأصدقائه الحقيقيين، ويحرمه من مهارات التواصل الاجتماعي الأساسية حيث يقضي الصغار ساعات أمام الشاشات بينما أجسادهم تحتاج للحركة، وعقولهم تحتاج للتفاعل الواقعي لبناء التوازن النفسي والعاطفي. هنا تتجلى مسؤولية الأهل، فهم خط الدفاع الأول في حماية أبنائهم من مخاطر العالم الرقمي. غير أن الحماية لا تعني المنع، ولا الرقابة الصارمة، بل الحوار والتوجيه الواعي، فالطفل يحتاج أن يسمع ويُسمع، وأن يشعر بأن والديه يثقان بقدراته لا أنهما يراقبانه خوفًا، فالثقة تولد الوعي الذاتي، أما المراقبة المفرطة فتزرع التمرد أو الخداع. إن استخدام أدوات الرقابة الأبوية مفيدة لضبط الوقت والمحتوى، لكنه لا يغني عن التربية الرقمية القائمة على الوعي والمشاركة، فالأب والأم اللذان يتفاعلان مع طفلهما في فضائه الإلكتروني يعلّمانه بطريقة عملية كيف يميز بين الجيد والسيئ، وكيف يستخدم التقنية كوسيلة للتعلم والنمو لا للهروب من الواقع. 

المجتمع والمدرسة أيضًا لهما دور لا يقل أهمية، فبرامج التوعية الرقمية، وورش العمل التي تشرح للأطفال مخاطر النشر والمشاركة العشوائية، تساعد في بناء جيل واعٍ رقميًا. أما الإعلام، فعليه مسؤولية توجيه الرسائل الإيجابية ونشر ثقافة الاستخدام الآمن بدل الاكتفاء بنقل القصص السلبية. إن وسائل التواصل الاجتماعي أداة عصرية يمكن أن تكون رافعة للتعلم والإبداع إن أحسنّا استخدامها، فالطفل الذي يُمنح مساحة من الحرية المسؤولة، ويجد من يرشده ويفهمه، سيستخدم التكنولوجيا بثقة ونضج، أما من يُترك دون توجيه، فقد تتحول شاشته الصغيرة إلى عالمٍ واسع من العزلة والضياع. وهنا، لا يكون الخطر في التكنولوجيا، بل في غياب الوعي الذي يحوّل النعمة إلى نقمة.

كاتبة وأكاديمية بحرينية