من “الرتز” إلى “الروشنة”.. كسر وصمة العيب

| أحمد جعفر

خلال زيارة لي للرياض قبل عقد من الزمان، لم أكن أتصور بأن الموظف الذي أصر على نقل حقيبتي الصغيرة من بهو فندق الرتز كارلتون الفاخر إلى الغرفة كان شابًا سعوديًا يرتدي الزي الوطني. كان مشهدًا غريبًا خلال ذلك الوقت بأن يشغل مواطن خليجي أعمالًا لطالما ينظر إليها مجتمعنا بازدراء ودونية. أتذكر يومها أن ذلك الشخص كان يؤكد أنه سعيد بعمله ولا يرى فيه ما ينتقص منه، قال لي بابتسامة هادئة: “العمل في أي مجال شريف ليس عيبًا، ونحن السعوديون اليوم منخرطون في كل القطاعات”. كانت تلك اللحظة بالنسبة لي درسًا غيّر نظرتي لكثير من المفاهيم بشأن سوق العمل بدول الخليج التي اعتادت جلب عمالة من دول آسيوية وأفريقية لشغل مثل هذه الوظائف. هذا المشهد أصبح اليوم مألوفًا في السعودية بفضل “رؤية 2030” التي جعلت قطاع الضيافة والخدمات أحد أعمدتها الرئيسية، إذ يعمل السعوديون والسعوديات بأعداد كبيرة في الفنادق والمطاعم وشركات السياحة، ضمن إطار خطة طموحة تهدف إلى استقطاب 100 مليون زائر دولي سنويًا بحلول العام 2030. في دول الخليج العربية التي تعتمد اقتصاداتها على الهيدروكربونات بشكل أساسي، تركز الحكومات الآن على قطاع السياحة والترفيه لتنويع مصادر الدخل بجانب النفط والغاز. ومع التحولات الكبرى التي يشهدها الخليج، بات هذا القطاع ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط السياحة وخلق فرص عمل واعدة للشباب. ومن هنا، تقع على مؤسسات الدولة في البحرين مسؤولية تشجيع المواطنين على الانخراط في هذا القطاع الحيوي، وتغيير النظرة الاجتماعية النمطية التي ترى في العمل بالفنادق أو المطاعم عيبًا أو أقل شأنًا. صحيح أن هناك كثيرًا من البحرينيين يعملون حاليًا في هذا القطاع وغيره من المجالات، لكننا بحاجة إلى انخراط أكبر وحوافز أفضل، وبرامج مؤسسية واضحة تؤهل العاطلين من الشباب والفتيات للعمل كنُدُل في المطاعم الراقية، أو موظفي استقبال في الفنادق الكبرى. ولدينا كثير من النماذج الناجحة في البحرين ومنها الشف هاجر صاحبة مطعم “الروشنة” التي قدمت نموذجًا وطنيًا ملهمًا في ريادة الأعمال يقوم على الإيمان بقدرات أبناء الوطن. فقد اختارت الشف هاجر أن يكون المواطن البحريني أساس بناء مشروعها، معتمدة عليه في مختلف الوظائف داخل المطعم، في خطوة تعبّر عن وعي عالٍ بدور رائد الأعمال في دعم سوق العمل المحلي وتمكين الكفاءات البحرينية. إن قطاع الضيافة والخدمات لا يوفر فقط وظائف تقليدية، بل هو من أكثر المجالات الذي يمنح مسارًا مهنيًا سريعًا للتطور والنمو الوظيفي، لاسيما في البحرين التي تملك مقومات بشرية قادرة على صناعة قصص نجاح ملهمة. والأهم من ذلك أن السياحة أضحت اليوم أحد المفاتيح الأساسية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، بدليل ما يحدث في بقية دول مجلس التعاون الشقيقة. لقد حان الوقت لمؤسسات الدولة والقطاع الخاص وشباب البحرين لكسر وصمة العيب المرتبطة بهذا العمل، وأن ننظر إليه جميعًا كما هو: قطاع استراتيجي واعد يحمل مستقبلًا مشرقًا لأبنائنا وبناتنا، وفرصة ثمينة لترسيخ حضور البحرين على خريطة السياحة العالمية.

*كاتب بحريني