أمة مصابة بشلل نصفي؟
| كمال الذيب
قال المذيع: والآن سأقدم لكم خبرًا يهز كل مواطن عربي! أثار المسكين شفقتي لأنه لا يزال يظن أن هناك أخبارًا تهز العرب، وأن المواطن العربي مازال يتفاعل مع ما حوله، وما يحدث في الساحة العربية. كان الاهتزاز وكان رد الفعل فيما سبق من السنوات علامة حياة قبل دخولنا عصر الاسترخاء والاستسلام والاستقالة والسبات المبين والانخراط في لعبة الغياب والغيبوبة، أما الآن فالشعار العربي الأكثر علوًّا هو: “لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم، لا أفهم، لا أقرأ، لا يهمني، وأنا مالي، وإذا كان جلدي سالما فما لي وما للآخرين”! إنها لعبة مريحة تحمي لاعبيها من المساءلة والسؤال والمسؤولية وسؤال الضمير وعذابه والإزعاج والانزعاج. فإيثار (السلامة) قد غلب، والاستكانة والرضا بالدون هما القاعدة وسكنى الحفر صارت شعارًا أثيرًا، ولذلك فإن ذلك المذيع المسكين الذي كان يتوقع من المواطن العربي أن يهتز (لخبره) كان يخرّف ويغرد خارج السياق، ويعيش في عصر غير عصره.. خارج التاريخ، خارج المرحلة بين أسوار (الأحلام)، ولا يعرف ما يشغل بال المواطن العربي حاليا وما هي أولوياته، وما الأخبار التي تهزه هزّا. فلا القضايا القومية مازالت تهمه كثيرا، ولا حصار غزة وتجويع أهلها وإبادتهم لا تزال تثيره كثيرا، قد تغضبه قليلا، ولكنه سريعا ما يعود إلى السياق، وبالتالي لا شيء يهزه تقريبا. وبالعودة إلى الخبر الذي توقع المذيع المسكين أن يهز المواطن العربي هزا، نجد أن ملخصه أن تقارير اليونسكو الأخيرة حول شؤون التعليم في بلاد العرب الواسعة تؤكد أن أكثر من 150 مليون عربي من مجموع 320 مليونا يجهلون الكتابة والقراءة تقريبا، وأن نسبة الأمية تبلغ حوالي 50 % فقط والحمد لله. ولكن الدراسة لم يستفزها هذا الرقم المخيف، إنما الذي استفزها أن الدول العربية لا ترى في هذه الأمية المتفشية مشكلا كبيرا، لذلك تتواصل عند العرب ثقافة (كله تمام). إن الخبر نفسه يحمل النفي الكامل لتوقع المذيع.. فأمة 50 % منها لا يكتبون ولا يقرأون من حقها ألا تهتز.. لأنها أمة مصابة بشلل نصفي.
*كاتب وإعلامي بحريني