خطة غزة للسلام بارقة أمل قابلة للإحباط

| د . جاسم المناعي

الكل بالطبع يتطلع إلى نهاية لهذه المأساة التي يعيشها أهل غزة منذ سنوات عدة تخللتها شتى أنواع العذاب من قتل وجرح لآلاف المواطنين العزل إلى تدمير منازلهم وتدمير مرافق البنية الأساسية كالطرق وخدمات الماء والكهرباء إضافة إلى تدمير مرافق الخدمات الصحية، فضلا عن منع المساعدات من الوصول إلى أهل القطاع، الأمر الذي زاد من معاناة سكان غزة كما أدى ذلك إلى حالات من التجويع والحرمان من العلاج والإسعافات الأولية. ضمن هذه الظروف وهذه الأوضاع تأتي خطة الرئيس الأميركي للسلام في غزة كبارقة أمل لوضع نهاية لهذه المرحلة المريرة التي مر بها ومازال يمر بها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وقد استبشر كثيرون بأن هذه الخطة بالرغم مما قد يشوبها من محاذير وإخفاقات إلا أنها قد تحقق انفراجة مأمولة للأوضاع التي لم تعد تحتمل، خصوصا أن هذه الخطة تنص على وقف فوري للحرب بمجرد موافقة الأطراف المعنية على هذه الخطة، كما أن المقترح ينص على انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة وإن كان ذلك بشكل تدريجي وغير محدد. ووفقا لما ورد في هذه الخطة فلن يجبر أحد أهالي غزة على التهجير في الوقت الذي سيكون لهم حرية الخروج والعودة إلى ديارهم متى شاؤوا. هذا إضافة إلى أن قوافل المساعدات سوف تتمكن من الدخول بيسر ودون عوائق متى تم الاتفاق على هذه الخطة. فى المقابل فإن “حماس” مطالبة بالتخلي عن أسلحتها وألا يكون لها دور في حكم أو إدارة غزة لكن وحسبما يبدو فإن أعضاء حماس يمكنهم البقاء في غزة أو الحصول على ضمان الحماية لمن يرغب في الانتقال إلى الخارج. بالنسبة لإدارة الحياة اليومية للقطاع وما تتطلبه من خدمات بما يشمل خدمات الأمن والشرطة فسيتم ذلك من خلال كوادر فلسطينية مختارة بالإضافة إلى عناصر إدارية من بعض الدول العربية بينما الإشراف العام فسيتم من خلال لجنة دولية تحت رئاسة الرئيس الأميركي والتي سوف تدعى لجنة السلام. الظاهر في هذه الخطة أنها قد تمثل حلا للوضع القائم حاليا في قطاع غزة. الإشكال هو في أن الثقة على ضوء التجارب المريرة غير موجودة بشكل يعطي لهذه الخطة الزخم والدعم اللازمين، هذا إضافة إلى أنه، كما هو معروف، أن الشيطان يكمن في التفاصيل. هل إسرائيل ستلتزم حقا بهذه الخطة؟ خصوصا أن بعض أعضاء حكومة إسرائيل الحالية وفقا لتصريحاتهم بأن هذه الخطة تشكل تهديدا لأمن إسرائيل! على صعيد آخر من يضمن حماية الفلسطينين سواء في غزة أو في الضفة من اعتداءات الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين المتطرفين خصوصا إذا تم قبول التخلي عن سلاح المقاومة؟ هناك بالتأكيد إشكالات أخرى قد تظهر خلال تنفيذ هذه الخطة.  لذلك فإن المقترح المطروح هو في ظاهره أمر جيد لكن كما يقول المثل الأجنبي أنه أكثر من جيد لدرجة يصعب تصديقه. بالنسبة للرئيس الأميركي فحسبما يبدو أن مقترحه ليس بالضرورة من منطلق تعاطفه مع الفلسطينين بقدر ما هو وفقا لاعتبارات وحسابات شخصية، إضافة إلى أن ذلك يخدم بالتأكيد مصالح إسرائيل، خصوصا أن هذه “الطبخة” تمت من قبل رئيس وزراء إسرائيل ومستشاري الرئيس الأميركي المعروفين بولائهم لإسرائيل دون استشارة الطرف الآخر المتمثل في الجانب الفلسطيني، كما أن ما عرض على “حماس” يختلف حسبما يبدو عن النسخة الأصلية التي تم عرضها على قادة الدول العربية والإسلامية في اجتماعهم مع الرئيس الأميركي بشأن هذه الخطة، حيث يبدو أن الخطة الأصلية قد تعرضت لبعض التعديلات من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل أن يتم تقديمها لـ “حماس”.  على الصعيد الشخصي فإن الرئيس الأميركي يتطلع إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام، وقد صرح في أكثر من مناسبة بأن جهوده هذه إذا لم يتم تقديرها من خلال منحه جائزة نوبل للسلام فإن ذلك فيه إهانة لأميركا.  على الجانب الآخر، فإن حماس قد أعطت مؤشرات إيجابية بإمكان قبولها لهذه الخطة مع طلب بعض التوضيحات بخصوص بعض بنود هذه الخطة خصوصا أهمية أن يكون هناك جدول زمني واضح ومحدد ومتفق عليه بشأن انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة. الأمور تسير حسبما يبدو نحو الموافقة على هذه الخطة إلا أن العناصر المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية قد تفسد روح هذا المقترح، فضلا عن إمكان عرقلة الإجراءات الخاصة بمراحل التنفيذ.  بالنسبة للفلسطينين سواء في غزة أو في الضفة فإنهم على ضوء ما يمرون به من معاناة لا توصف، فإنهم بالطبع يتعلقون بأية بارقة أمل.  فهذه الخطة المقترحة مهما تضمنت من محاذير ومخاوف فإنها مع ذلك تبدو أفضل من الوضع الحالي الذي يسود القطاع.  كذلك فإن تصريح الرئيس الأميركي بأنه لن يقبل أن تعمل إسرائيل على ضم الضفة الغربية، يعد في حد ذاته تطورا إيجابيا مهما لصالح القضية الفلسطينية، إضافة إلى الزخم الذي حظيت به قضية فلسطين من خلال اعتراف عدد كبير من دول العالم بدولة فلسطين.  كل هذه التطورات تشير إلى تحولا كبيرا ومهما لصالح القضية الفلسطينية.  ومن دون شك فإن الرأي العام العالمي كان له دور مهم في هذا التحول، إضافة للجهود الحثيثة للدول العربية والإسلامية، وعلى رأسها الدور البارز الذي لعبته المملكة العربية السعودية في حشد التوجه العالمي العام للاعتراف بدولة فلسطين والعمل على دعم مساعي حل الدولتين. وعلى الرغم من كل هذه الجهود فقد لا تتحقق جميع الأمنيات، إلا أن هذه التطورات مع ذلك تمثل مؤشرات تدعو إلى التفاؤل، لكن لا ينبغي لنا مع ذلك الاستكانة والاكتفاء بما تم إنجازه، بل ضرورة الإصرار على مواصلة العمل لنيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، التي مع تحققها يمكن للمنطقة أن تعيش في أمن وسلام. ‭* ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬العربي