“كياوكفيو” محور التوازن في ميانمار

| عبدالله بوقس

في‭ ‬أقصى‭ ‬غرب‭ ‬ميانمار،‭ ‬وعلى‭ ‬سواحل‭ ‬ولاية‭ ‬راخين‭ ‬المضطربة،‭ ‬تشهد‭ ‬المنطقة‭ ‬ولادة‭ ‬مشروع‭ ‬استراتيجي‭ ‬تتجاوز‭ ‬أصداؤه‭ ‬حدود‭ ‬الجغرافيا‭ ‬المحلية‭. ‬ميناء‭ ‬“كياوكفيو”‭ ‬Kyaukphyu‭ ‬العميق،‭ ‬الذي‭ ‬تبلغ‭ ‬كلفة‭ ‬مرحلته‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬بحرية،‭ ‬بل‭ ‬بوابة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬لمعادلة‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭.‬

تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الميناء‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬الصينية،‭ ‬حيث‭ ‬تسعى‭ ‬بكين‭ ‬إلى‭ ‬كسر‭ ‬قيود‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬عبر‭ ‬إنشاء‭ ‬ممر‭ ‬بديل‭ ‬للطاقة‭ ‬يربط‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬خليج‭ ‬البنغال‭ ‬ومقاطعة‭ ‬يونان‭ ‬الصينية‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تمنح‭ ‬الصين‭ ‬متنفساً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬وتضع‭ ‬ميانمار‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الصراع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬تريد‭ ‬التحكم‭ ‬بخطوط‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭. ‬إن‭ ‬الموانئ،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬شرايين‭ ‬للهيمنة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أرصفة‭ ‬لتفريغ‭ ‬البضائع‭.‬

لكن‭ ‬الصورة‭ ‬ليست‭ ‬مشرقة‭ ‬تماماً‭. ‬المشروع‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نزاعات‭ ‬مسلحة‭ ‬وتهجير‭ ‬قسري،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬20‭,‬000‭  ‬شخص‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭ ‬سيفقدون‭ ‬أراضيهم‭ ‬ومصادر‭ ‬رزقهم‭ ‬نتيجة‭ ‬إنشاء‭ ‬الميناء‭. ‬وبينما‭ ‬تراهن‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬العوائد‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فإن‭ ‬الأصوات‭ ‬الحقوقية‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬قد‭ ‬تولّد‭ ‬أزمات‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬لمعالجتها‭. ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الوعد‭ ‬بالتنمية‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬التهميش،‭ ‬بين‭ ‬الأمل‭ ‬بالازدهار‭ ‬والخشية‭ ‬من‭ ‬الإقصاء‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬خليجية،‭ ‬فإن‭ ‬مشروع‭ ‬كياوكفيو‭ ‬يقدم‭ ‬دروساً‭ ‬عميقة‭. ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬لتثبيت‭ ‬مكانتها‭ ‬كمراكز‭ ‬لوجستية‭ ‬عالمية‭ ‬عبر‭ ‬موانئ‭ ‬مثل‭ ‬ميناء‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬وجبل‭ ‬علي‭ ‬والدمام‭ ‬والدوحة،‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تقرأ‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الميانمارية‭ ‬درساً‭ ‬في‭ ‬كيف‭ ‬تتحول‭ ‬الموانئ‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬نفوذ‭ ‬إقليمي‭.  ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬بنية‭ ‬تحتية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ميانمار‭ ‬أو‭ ‬الخليج،‭ ‬تفرض‭ ‬وعياً‭ ‬بأن‭ ‬البنية‭ ‬المادية‭ ‬ليست‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية‭ ‬الكبرى‭. ‬فالاستثمارات‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬حسابات‭ ‬مالية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬رهانات‭ ‬استراتيجية‭ ‬تحدد‭ ‬موقع‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬العالمية‭.‬

إن‭ ‬أهمية‭ ‬التجربة‭ ‬تكمن‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭. ‬فبينما‭ ‬تشق‭ ‬الصين‭ ‬ممراتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عبر‭ ‬ميانمار،‭ ‬فإن‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬تواجه‭ ‬قلقاً‭ ‬وجودياً‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭ ‬الخليج‭ ‬عند‭ ‬التخطيط‭ ‬لمشاريعه‭ ‬الضخمة‭: ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الأرصدة‭ ‬والاستثمارات،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬اندماج‭ ‬الإنسان‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬ثمارها‭. ‬فالاقتصاد‭ ‬إذا‭ ‬انفصل‭ ‬عن‭ ‬المجتمع،‭ ‬يصبح‭ ‬جسداً‭ ‬بلا‭ ‬روح،‭ ‬ومشروعاً‭ ‬بلا‭ ‬شرعية‭. ‬

ختاما،‭ ‬يظهر‭ ‬ميناء‭ ‬كياوكفيو‭ ‬كرمز‭ ‬مزدوج‭: ‬بوابة‭ ‬صاعدة‭ ‬للنفوذ‭ ‬الصيني،‭ ‬وجرس‭ ‬إنذار‭ ‬لمخاطر‭ ‬التنمية‭ ‬غير‭ ‬المتوازنة‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الخليج‭ ‬يسعى‭ ‬لتأمين‭ ‬مستقبله‭ ‬كمركز‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬تذكّره‭ ‬بأن‭ ‬الموانئ‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أحواض‭ ‬سفن،‭ ‬بل‭ ‬مرايا‭ ‬تعكس‭ ‬علاقة‭ ‬الدولة‭ ‬بمحيطها،‭ ‬وتحدد‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬جسورًا‭ ‬للتكامل‭ ‬أو‭ ‬ساحات‭ ‬للتوتر‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور