فضاءات

فرنسا وحدة التفاوت الطبقي

| رضي السماك

في‭ ‬تقرير‭ ‬يُحسب‭ ‬للشفافية‭ ‬وعراقة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬تناقضاتها‭ ‬ونواقصها،‭ ‬نشر‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للإحصاء‭ ‬والدراسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬مؤسسة‭ ‬علمية‭ ‬مستقلة‭ ‬تدعمها‭ ‬الحكومة،‭ ‬معنية‭ ‬بتحليل‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الرسمية‭ ‬وتعداد‭ ‬السكان‭ ‬ونسب‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتعليمية،‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬الفائت‭ ‬بيانات‭ ‬تظهر‭ ‬اتساع‭ ‬حجم‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الأثرياء‭ ‬وذوي‭ ‬الدخول‭ ‬المحدودة‭ ‬والطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬سابق‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬فرنسا‭ ‬المعاصر،‭ ‬وأشار‭ ‬المعهد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الثروات‭ ‬الفاحشة‭ ‬تتركز‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬العائلات،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬“مجتمع‭ ‬الورثة”،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضعف‭ ‬فرص‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬طبقياً،‭ ‬ولاسيما‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التفاوت‭ ‬الطبقي‭ ‬المتاح‭ ‬لتحمل‭ ‬الضرائب‭ ‬مقارنة‭ ‬بالثروات‭ ‬المتضخمة‭ ‬من‭ ‬ممتلكات‭ ‬مالية‭ ‬وعقارية‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬الأقلية‭. ‬

ولعل‭ ‬اتساع‭ ‬تلك‭ ‬الفجوة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬لنا‭ ‬أسباب‭ ‬تصاعد‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬ففي‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬نفسه‭ ‬ظهرت‭ ‬احتجاجات‭ ‬غاضبة‭ ‬رافعةً‭ ‬شعارات‭ ‬“زيدو‭ ‬الأجور”‭ ‬و”امتيازاتكم‭ ‬غضبنا”،‭ ‬كانعكاس‭ ‬للغضب‭ ‬الشعبي‭ ‬العارم‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬تلك‭ ‬الفجوة‭ ‬والتفاوت‭ ‬الطبقي‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬حركات‭ ‬“السترات‭ ‬الصفر”‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬تنامي‭ ‬الغضب‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬تلك‭ ‬“الفجوة”،‭ ‬فيما‭ ‬الحراك‭ ‬الحالي‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬تنظيماً‭ ‬حيث‭ ‬تقوده‭ ‬النقابات‭ ‬والقوى‭ ‬اليسارية‭. ‬وتستعد‭ ‬فرنسا‭ ‬لموجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الإضرابات‭ ‬والاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬الشهور‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة‭.‬

وفي‭ ‬تقديرنا‭ ‬أن‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬اليمينية‭ ‬الحاكمة‭ ‬برئاسة‭ ‬الرئيس‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬مازالت‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬على‭ ‬الثروات‭ ‬الفاحشة‭ ‬بيد‭ ‬الأقلية،‭ ‬وهي‭ ‬المستفيدة‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭. ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬حكومة‭ ‬الأقلية‭ ‬برئاسة‭ ‬فرانسوا‭ ‬بايرو‭ ‬خطر‭ ‬السقوط‭ ‬بعد‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الأغلبية‭ ‬لتمرير‭ ‬خطط‭ ‬التقشف،‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3‭,‬35‭ ‬تريوليونات‭ ‬يورو‭ ‬،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬114‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بارتفاعه‭ ‬إلى‭ ‬125‭ %. ‬والحال‭ ‬رغم‭ ‬شفافية‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للإحصاء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الشفافية‭ ‬تعد‭ ‬خطوة‭ ‬ناقصة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬مبالاة‭ ‬الطبقة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الحاكمة‭ ‬بتضييق‭ ‬تلك‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬القلة‭ ‬المليارديرية‭ ‬والأكثرية‭ ‬من‭ ‬الطبقات‭ ‬الفقيرة‭ ‬والوسطى‭. ‬

 

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني