مُلتقطــات

إنقاذ المسجد!

| د. جاسم المحاري

يُطلق‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬الإسلامية‭ ‬“العيادة”‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬مهماتها‭ ‬في‭ ‬علاج‭ ‬القلوب‭ ‬من‭ ‬“صدأ”‭ ‬الذنوب‭ ‬والخطايا‭ ‬والآثام‭ ‬إلى‭ ‬أجواء‭ ‬الرحمات‭ ‬والخيرات‭ ‬والنعائم‭ ‬التي‭ ‬يظل‭ ‬فيها‭ ‬–‭ ‬هو‭ - ‬المكان‭ ‬الخالد‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬أحوال‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬فضاءات‭ ‬التّعاسة‭ ‬والشقاء‭ ‬إلى‭ ‬حمائم‭ ‬الفرح‭ ‬والسرور،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬كينونة‭ ‬الأبرار‭ ‬في‭ ‬دروس‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬التآخي‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬الغني‭ ‬والفقير‭ ‬وبين‭ ‬العبد‭ ‬والسّيد‭ ‬وبين‭ ‬الملِك‭ ‬والخادم‭ ‬وبين‭ ‬العالم‭ ‬و”الجاهل”،‭ ‬دون‭ ‬تباين‭ ‬أو‭ ‬فرق‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬معيار‭ ‬تقوى‭ ‬الربّ‭ ‬الجليل،‭ ‬فيما‭ ‬تحفّها‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬الأثناء‭ ‬–‭ ‬دُرر‭ ‬التكاتف‭ ‬والتضامن‭ ‬في‭ ‬الغُدّو‭ ‬والرّواح‭ ‬والحلّ‭ ‬والترحال‭ ‬والانشغال‭ ‬والتفرّغ‭ ‬وسط‭ ‬تجامع‭ ‬القلوب‭ ‬والأفئدة‭ ‬على‭ ‬التراحم‭ ‬والاحترام،‭ ‬والتعاطف‭ ‬والوقار،‭ ‬والسكينة‭ ‬والطمأنينة‭.‬

يتفوق‭ ‬المسجد‭ ‬–‭ ‬باعتباره‭ ‬مؤسسة‭ ‬تربوية‭ ‬وتعليمية‭ ‬عظيمة‭ ‬سبقت‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحاضر‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالمدارس‭ ‬والمعاهد‭ ‬والجامعات‭ ‬وغيرها‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الهيئات‭ ‬واللجان‭ ‬التي‭ ‬أنشأها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المعمورة،‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬توليه‭ ‬مهمات‭ ‬الإصلاح‭ - ‬للفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء‭ - ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أعمار‭ ‬البشر‭ ‬وأجناسهم‭ ‬وأشكالهم‭ ‬وأصولهم‭ ‬ومشاربهم‭ ‬وفق‭ ‬منهاج‭ ‬تربوي‭ ‬إيماني‭ ‬متكامل‭ ‬–‭ ‬دون‭ ‬اقتصار‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الصلوات‭ ‬الخمس‭ ‬المكتوبة‭ - ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬أرسى‭ ‬دعائم‭ ‬الإصلاح‭ ‬القويم‭ ‬وقواعد‭ ‬الصلاح‭ ‬السديد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬حواضر‭ ‬الإسلام‭ ‬–‭ ‬قديمًا‭ ‬وحديثًا‭ ‬–‭ ‬وتخليص‭ ‬النَّفس‭ ‬البشريَّة‭ ‬من‭ ‬العبوديَّة‭ ‬والتَّذلُّل‭ ‬وتجريدها‭ ‬من‭ ‬علائق‭ ‬الدُّنيا‭ ‬وصغائر‭ ‬أمورها،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تدارس‭ ‬الكتاب‭ ‬الكريم‭ ‬وحفظه‭ ‬وتعلُّم‭ ‬علومه‭ ‬وإقامة‭ ‬دروس‭ ‬الوعظ‭ ‬وحلقات‭ ‬الإرشاد‭ ‬وفق‭ ‬مضامينه‭ ‬في‭ ‬حلِّ‭ ‬مشاكل‭ ‬الخصوم‭ ‬ومنازعاتهم،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الرجال‭ ‬التُّقاة‭ ‬والمُصلحين‭ ‬الهُداة‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تسمو‭ ‬النُّفوس‭ ‬وتذوب‭ ‬الفوارق‭ ‬وتُنشر‭ ‬المعارف‭ ‬بين‭ ‬الصفوف‭.

نافلة‭: ‬

هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬العظيمة،‭ ‬قد‭ ‬تعكّر‭ ‬صفوها‭ ‬–‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ - ‬سلوكيات‭ ‬منفرة‭ ‬أو‭ ‬تصرّفات‭ ‬مُستهجنة‭ ‬تكررت‭ ‬جهلًا‭ ‬أو‭ ‬عمدًا‭ ‬أفسدت‭ ‬متعة‭ ‬الحضور‭ ‬الخاشع،‭ ‬ما‭ ‬استلزم‭ ‬خطة‭ ‬“إنقاذ”‭ ‬عنائية‭ ‬ورعوية؛‭ ‬كي‭ ‬تستعيد‭ ‬دورها‭ ‬المُناط‭ ‬ورونقها‭ ‬المعهود‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬كان‭ ‬بعضهم‭ ‬يضع‭ ‬أحذيته‭ ‬على‭ (‬فمّ‭) ‬باب‭ ‬المسجد،‭ ‬أو‭ ‬يُقفل‭ ‬ويُعيد‭ ‬فتح‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬والمراوح‭ ‬والنوافذ‭ ‬دون‭ ‬استئذان‭ ‬بحجة‭ ‬برودة‭ ‬المكان،‭ ‬أو‭ ‬يطفئ‭ ‬الإنارة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الصلاة‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬لباقي‭ ‬المصلين،‭ ‬أو‭ ‬يقوم‭ ‬بـ‭ (‬تمشيط‭) ‬أعداد‭ ‬المصلين‭ ‬بنظره‭ ‬يمنة‭ ‬أو‭ ‬يسرة‭ ‬أو‭ ‬للخلف،‭ ‬أو‭ ‬يُطلق‭ ‬العنان‭ ‬لنغمات‭ ‬هاتفه،‭ ‬أو‭ ‬يرفع‭ ‬صوته‭ ‬كمأموم‭ ‬خلف‭ ‬الإمام،‭ ‬أو‭ ‬يحجز‭ ‬مكان‭ ‬صلاته‭ ‬بسجادة‭ ‬أو‭ ‬كرسي‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬خلافًا‭ ‬لأحقية‭ ‬الأسبقية،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ (‬تحلّقه‭) ‬في‭ ‬مجموعات‭ ‬قبل‭ ‬الصلاة‭ ‬أو‭ ‬بعدها‭ ‬داخل‭ ‬المسجد‭ ‬وهو‭ ‬يتخطّى‭ ‬الصفوف‭ ‬الممتلئة،‭ ‬بل‭ ‬ويذهب‭ ‬بجوارب‭ ‬متسخة‭ ‬وملابس‭ ‬نوم‭ ‬وألبسة‭ ‬قصيرة‭ ‬محشوة‭ ‬بكتابات‭ ‬ورسومات‭ ‬أجنبية‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني