كسر التابو

غرفة الثقافة في فندق السعادة

| سيد ضياء الموسوي

كي‭ ‬تحظى‭ ‬بالسعادة‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬غرف‭ ‬فندق‭ ‬السعادة‭.‬

نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬كبير‭ ‬اسمه‭ ‬“الحداثة‭ ‬السائلة”‭. ‬عالم‭ ‬فخم‭ ‬الواجهة،‭ ‬براق‭ ‬الأضواء،‭ ‬لكنه‭ ‬بلا‭ ‬أساس‭ ‬صلب‭. ‬تتجول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬فتجد‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عابرًا‭: ‬الحب‭ ‬مؤقت،‭ ‬الصداقة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬العمل‭ ‬مؤقت،‭ ‬حتى‭ ‬الهوية‭ ‬بطاقة‭ ‬إلكترونية‭ ‬تُستبدل‭ ‬عند‭ ‬الاستقبال‭. ‬وكأن‭ ‬العمر‭ ‬كله‭ ‬صار‭ ‬إقامة‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬كوني‭ ‬فاخر‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬أثرًا‭.‬

هذا‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬سعادة‭ ‬كاملة‭ ‬رغم‭ ‬إمكانياتها‭..‬انت‭ ‬محاط‭ ‬بالمرضى‭ ‬النفسيين‭ ‬والحمقى‭ ‬والسيكوباتيين‭ ‬المعادين‭ ‬للمجتمع‭ ‬،الممتلئين‭ ‬نرجسية‭ ‬فاقعة‭ ‬بفائض‭ ‬جشع‭ ‬وصفر‭ ‬مشاعر‭ ‬وتصحر‭ ‬إنسانية‭...‬

عالم‭ ‬فيه‭ ‬تدفق‭ ‬المال‭ ‬ومات‭ ‬الاحساس،انتفخت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬فتصحرت‭ ‬الخصوصية،حتى‭ ‬العلاقات‭ ‬أصبحت‭ ‬إليكترونية،‭ ‬والحب‭ ‬يتم‭ ‬تنزيله‭ ‬مع‭ (‬الابليكيشن‭ ) ‬وقد‭ ‬ينتهي‭ ‬بضغطة‭ ‬زر‭.‬

مع‭ ‬تطرف‭ ‬الرأسمالية‭ ‬وعدم‭ ‬أنسنتها‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬نرجسيون‭ ‬دينيون‭ ‬وغير‭ ‬دينيين‭ ‬كل‭ ‬حسب‭ ‬السوق‭ ‬والمشترين،

حولوا‭ ‬الطقوس‭ ‬الى‭ ‬موسم‭ ‬تجاري‭ ‬للتنافس‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬الرحلات‭ ‬الدينية‭ ‬،مستغلين‭ ‬شغف‭ ‬الناس‭ ‬للطمأنينة‭ ‬،وهم‭ ‬يفتشون‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬دفاتر‭ ‬التاريخ‭ ‬او‭ ‬آثار‭ ‬أولياء‭ ‬الله‭ ‬او‭ ‬طقس‭ ‬مقدس‭ ‬ينسيهم‭ ‬قسوة‭ ‬سلطة‭ ‬المال‭ ‬،ووحشية‭ ‬الفردية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬والانا‭ ‬الجشعة‭ ‬المتسربة‭ ‬من‭ ‬الليبرالية‭ ‬المتطرفة‭.‬

الكل‭ ‬ضائع‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السعادة‭ ‬المحنطة،

الديني‭ ‬يُتاجر‭ ‬به‭ ‬كنعش‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬السياسة‭ ‬القذرة،‭ ‬والتاجر‭ ‬يرى‭ ‬حسابه‭ ‬يتضخم‭ ‬وحب‭ ‬أولاده‭ ‬له‭ ‬يتصفر،‭ ‬وأصدقاؤه‭ ‬يرونه‭ ‬جهاز‭ ‬ATM‭ ‬واغلب‭ ‬المحيطين‭ ‬به‭ ‬وفاؤهم‭ ‬اللاوفاء،‭ ‬والعاشق‭ ‬فجأة‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬ملقى‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬تم‭ ‬استبداله‭ ‬بمعشوق‭ ‬جديد‭ ‬اكثر‭ ‬مالا‭.. ‬اما‭ ‬الممثلون‭ ‬الاكثر‭ ‬شهرة‭ ‬من‭ ‬ممثلي‭ ‬مسرحيات‭ ‬شكسبير‭ ‬“الفاشينيستات”‭ ‬فاغلبهم‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تشوهات‭ ‬نفسية‭ ‬يستبدلونها‭ ‬بعمليات‭ ‬تجميل‭ ‬لتشوهات‭ ‬الوجه‭ ‬والجسد‭ ‬كحيلة‭ ‬دفاعية‭ ‬عن‭ ‬فراغ‭ ‬قاتل‭ ‬والتفاف‭ ‬ناعم‭ ‬عن‭ ‬الم‭ ‬داخلي‭ ‬عميق‭ ‬يظهر‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬اغلاق‭ ‬الكاميرا‭ ‬و‭ ‬وقف‭ ‬البث‭ ‬،فيستبدل‭ ‬لمعان‭ ‬الإضاءة‭ ‬الى‭ ‬لمعان‭ ‬الدموع‭ ‬بعد‭ ‬اغلاق‭ ‬كاميرا‭ ‬هي‭ ‬الشاهد‭ ‬الاكبر‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الوجع‭ ‬المخفي‭ ‬الى‭ ‬ماركات‭ ‬صارخة‭ ‬عند‭ ‬البث‭ ‬المباشر‭ .‬

لا‭ ‬الديني‭ ‬مرتاح‭ ‬لأنه‭ ‬متناقض‭ ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬انفصام‭ ‬حاد‭ ‬،ولا‭ ‬الملحد‭ ‬سعيد؛‭ ‬لأنه‭ ‬يكابر‭ ‬حينما‭ ‬ألغى‭ ‬معادلة‭ ‬وجود‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

هنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة‭ ‬المتنوعة‭ ‬المتوازنة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬السعادة‭ ‬التي‭ ‬أطرحه‭.‬

والثقافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المنفتحة‭ ‬على‭ ‬الحضارات‭ ‬تحترم‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭ ‬والطوائف‭ ‬والملل‭ ‬والفرق‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قاض‭ ‬يحاكم‭ ‬الآخرين‭.‬

ثقافة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإنسانية‭ ‬والروح‭ ‬وتؤمن‭ ‬بالتنوع‭ ‬المعرفي‭ ‬والحضارات‭ ‬وتستقي‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬“الأنثربولوجية‭ ‬“‭ ‬كرافد‭ ‬للوعي‭ ‬والعلم‭ ‬والتقدم‭.‬

هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬تصبح‭ ‬في‭ ‬قبال‭ ‬الثقافة‭ ‬السائلة‭ ‬“الحداثة‭ ‬السائلة‭ ‬“‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬البولندي‭ ‬زيجمونت‭ ‬باومان‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬مبالغا‭ ‬حين‭ ‬وصف‭ ‬العالم‭ ‬بالسيولة‭.‬

بلا‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة‭ ‬نحن‭ ‬ذائبون‭... ‬تم‭ ‬تسييل‭ ‬كل‭ ‬القيم‭ ‬وكل‭ ‬الأشياء‭ ‬الجميلة،كل‭ ‬علاقاتنا‭ ‬أصبحت‭ ‬سائلة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬يحكمها‭ ‬الثبات‭ ‬والصدق‭ ‬والوفاء‭ ‬والاصالة‭...‬حتى‭ ‬الحب‭ ‬وهو‭ ‬أكبر‭ ‬قيمة‭ ‬للوجود‭ ‬اصبح‭ ‬سلعة،‭ ‬ورقما‭ ‬وحسابا‭ ‬بنكيا‭ ‬وهدايا‭ ‬فاخرة‭...‬

تم‭ ‬تسييل‭ ‬الأخلاق‭ ‬فأصبحت‭ ‬ضمن‭ ‬معايير‭ ‬الموضة،‭ ‬وحسب‭ ‬البرغماتية‭ ‬الجديدة‭ ‬،و‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬السوق‭ ‬والبورصة‭ ...‬قل‭ ‬لي‭ ‬كم‭ ‬تعطيني‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬سوف‭ ‬امنحك‭ ‬كيلوات‭ ‬أخلاق‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬ذوباننا‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬الى‭ ‬الانقراض‭ ‬المعنوي‭ ‬لقيمة‭ ‬الانسان؛‭ ‬لذا‭ ‬نجد‭ ‬عالما‭ ‬كبيرا‭ ‬مثل‭ ‬هنري‭ ‬ثورو‭ ‬اعتزل‭ ‬العالم‭ ‬لينجو‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وانزوى‭ ‬في‭ ‬كوخ‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬يعتبر‭ ‬الملهم‭ ‬للاديب‭ ‬الروسي‭ ‬تولستوي‭ ‬،وغاندي‭ ‬و‭ ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ ‬كينك‭ ‬في‭ ‬العصيان‭ ‬المدني‭ ‬السلمي‭ ‬وقد‭ ‬الف‭ ‬كتابا‭ ‬اسمه‭ (‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ )(‬Walden‭).‬

أحيانا‭ ‬حتى‭ ‬الفيلسوف‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬سطوة‭ ‬الحياة‭ ‬المادية‭ ‬البحتة‭ ‬فينزوي‭ ‬فيؤثر‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬طمأنينة‭ ‬داخلية‭ ‬فيضطر‭ ‬للانسحاب‭ ‬او‭ ‬النقد‭ ‬الواضح‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الماركسي،‭ ‬أنطونيو‭ ‬غرامشي‭ (‬إيطاليا،‭ ‬1891‭ - ‬1937‭).‬

الذي‭ ‬صدمته‭ ‬المدنية‭ ‬وسجن‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬فاشي‭ ‬موسوليني‭ ‬شرس‭ ‬فظل‭ ‬يكتب‭ ‬عبر‭ (‬دفاتر‭ ‬السجن‭) ‬رؤيته‭ ‬للحياة‭ ‬والوجود‭.‬

فهل‭ ‬سألتم‭ ‬أنفسكم‭ ‬لماذا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الروماني‭ ‬إميل‭ ‬سيوران‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬الأضواء‭ ‬وصخب‭ ‬المدنية‭ ‬إلى‭ ‬عزلة‭ ‬ذاتية‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الروسي‭ ‬،فاديم‭ ‬زيلاند‭ ‬الذي‭ ‬يكره‭ ‬الشهرة‭ ‬والأضواء؟‭ ‬سيوران‭ ‬عاش‭ ‬حياة‭ ‬بسيطة‭ ‬جدًا،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شبه‭ ‬التشرّد،‭ ‬مكتفيًا‭ ‬بالكتابة‭ ‬والتأمل‭ ‬والسخرية‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وكذلك‭ ‬جان‭ ‬جنبه‭ ‬ومحمد‭ ‬شكري‭ ‬ومحمد‭ ‬الماغوط‭ ‬كلهم‭ ‬يحملون‭ ‬اوجاع‭ ‬التهميش‭ ‬،والبحث‭ ‬عن‭ ‬غرفة‭ ‬ثقافية‭ ‬تنجيهم‭ ‬من‭ ‬اي‭ ‬حريق‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬السعادة‭ ‬لكن‭ ‬الاغلب‭ ‬ان‭ ‬نجى‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬لم‭ ‬ينجُ‭ ‬من‭ ‬الاحتراق‭.‬

كتابات‭ ‬سيوران،‭ ‬هذا‭ ‬الجريح‭ ‬المثقل‭ ‬بوجع‭ ‬الغربة

تتسم‭ ‬بكراهية‭ ‬الوجود‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬بلا‭ ‬ثقافة‭ ‬حقيقة،‭ ‬وحب‭ ‬صادق،‭ ‬ومعنى‭ ‬سام‭.. ‬كتاباته‭ ‬تحمل‭ ‬نغمة‭ ‬متوجعة‭..‬

وكأنه‭ ‬يتساءل‭ ‬عن‭ ‬البشر‭ ‬بلا‭ ‬ثقافة‭..‬

البشر؟‭ ‬آه،‭ ‬أي‭ ‬كائنات‭ ‬طريفة‭!‬

يؤذونك،‭ ‬ثم‭ ‬يطالبونك‭ ‬بالامتنان‭.‬

يهدمونك،‭ ‬ثم‭ ‬يندهشون‭ ‬إن‭ ‬صرت‭ ‬أنقاضًا‭.‬

إنهم‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬طفل،‭ ‬وأكثر‭ ‬غرورًا‭ ‬من‭ ‬إله‭ ‬مُزيّف‭.‬

كم‭ ‬هو‭ ‬مضحك‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭:‬

نركض‭ ‬وراء‭ ‬بشر‭ ‬هشّين‭ ‬كأكواب‭ ‬زجاج،

نستجدي‭ ‬منهم‭ ‬حبًّا،‭ ‬اهتمامًا،‭ ‬كلمة،‭ ‬لمسة،

ثم‭ ‬نكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فيهم‭ ‬مجرّد‭ ‬صدفة‭ ‬عابرة،‭ ‬وأنّنا‭ ‬نحن‭ ‬الكذبة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬صدّقناها‭.‬

نحلم‭ ‬بيد‭ ‬حانية‭..!!‬

كنت‭ ‬أظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الأيدي‭ ‬التي‭ ‬تمسك‭ ‬بنا،‭ ‬وعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تُنادينا،‭ ‬وعدد‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬لنا‭ ‬أبوابها‭.‬

لكنني‭ ‬تعلّمت،‭ ‬بعد‭ ‬الجراح،‭ ‬أنّ‭ ‬أعظم‭ ‬نعمة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬تمشي‭ ‬وحيدًا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ترتجف،

أن‭ ‬تستيقظ‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنتظر‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬أحد،

أن‭ ‬تشعر‭ ‬أنّ‭ ‬ذاتك‭ ‬تكفيك،‭ ‬وأن‭ ‬قلبك‭ ‬وحده‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬الكبير‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيمى‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬ب”الاستقلال‭ ‬العاطفي”‭.‬

لكن‭ ‬سيوران‭ ‬لو‭ ‬وسع‭ ‬التفاؤل‭ ‬لوجد‭ ‬ان‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة،‭ ‬وبقية‭ ‬الغرف‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬رغم‭ ‬ضوضائه‭ ‬وصخبه‭ ‬وفوضاه‭.‬

الحل‭ ‬ليس‭ ‬بالعزلة‭ ‬،

الحل‭ ‬ولو‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الجحيم،‭ ‬عليك‭ ‬ان‭ ‬تبقى‭ ‬منشغلاً‭ ‬ببناء‭ ‬الجنة‭..‬جنتك‭ ‬الخاصة‭.‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أؤمن‭ ‬بالانعزال‭ ‬والتقشف،‭ ‬بل‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬أهمية‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬السعادة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تحويلها‭ ‬لصيدلية‭ ‬للذات‭ ‬وغرفة‭ ‬عمليات‭ ‬جراحية‭ ‬للثقافة‭ ‬المجتمعية‭.‬

إن‭ ‬الثقافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬العملية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬المثقف‭ ‬شغفا‭ ‬بالتمتع‭ ‬بكوكتيل‭ ‬الحياة‭.‬ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬المدنية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬بإمكانه‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬غرف‭ ‬السعادة‭ ‬ليعيش‭ ‬السعادة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬متعة‭ ‬وأقل‭ ‬ألمًا‭.‬

الحياة‭ ‬بلا‭ ‬حب‭ ‬وبلا‭ ‬قيم‭ ‬وبلا‭ ‬أصالة‭ ‬تصبح‭ ‬قاسية‭. ‬أحيانا‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬ينتظر‭ ‬كلمة‭ ‬حانية‭ ‬صادقة‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬إنسان‭ ‬صادق‭. ‬أغلب‭ ‬الذين‭ ‬اعتزلوا‭ ‬كانوا‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬عميق‭ ‬للحياة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الفردية‭ ‬والمادية‭.‬

وأحيانا‭ ‬يأتي‭ ‬الإبداع‭ ‬من‭ ‬العزلة‭. 

صحيح‭ ‬أن

نيتشه‭ ‬كتب‭ ‬أجمل‭ ‬كتبه‭ ‬في‭ ‬عزلاته‭ ‬الجبلية‭.‬

وابن‭ ‬خلدون‭ ‬أسّس‭ ‬نظريته‭ ‬في‭ ‬“العصبية”‭ ‬وهو‭ ‬معتكف‭ ‬في‭ ‬قلعة‭ ‬صغيرة،‭ ‬وأن

ألبير‭ ‬كامو‭ ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬السير‭ ‬وحده‭ ‬على‭ ‬شواطئ‭ ‬الجزائر‭ ‬وقودًا‭ ‬لكتاباته‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭.‬

سعادة‭ ‬الحياة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬و‭ ‬قلب‭ ‬وروح‭ ‬وجسد‭ ‬ومجتمع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نفصلها‭ ‬والا‭ ‬تنفرط‭ ‬سبحة‭ ‬الحياة‭.‬

بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬أؤمن‭ ‬بما‭ ‬سيمته

‭(‬private garden‭) ‬”الحديقة‭ ‬الخاصة”‭ ‬كيف‭ ‬تحول‭ ‬الكون‭ ‬الى‭ ‬حديقة‭ ‬خاصة‭ ‬تاخذ‭ ‬إيجابياته‭ ‬وتترك‭ ‬سلبياته‭.‬

،‭ ‬وما‭ ‬اسميه‭ ‬“فردوس‭ ‬الجحيم“

بمعنى‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬الفردوس،وانت‭ ‬في‭ ‬قعر‭ ‬الجحيم‭... ‬اكان‭ ‬الجحيم‭ ‬جحيم‭ ‬المادية‭ ‬او‭ ‬جحيم‭ ‬جهل‭ ‬المجتمع‭ ‬او‭ ‬غباء‭ ‬الكون‭ ‬وغاباته‭ ‬وتوحش‭ ‬رموزه‭.‬

ان‭ ‬تسكن‭ ‬فندق‭ ‬سعادتك‭ ‬بغرفه‭ ‬المتنوعة‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬الثقاقة‭ ‬والروح‭ ‬و‭ ‬القلب”الحب‭ ‬والشريك‭ ‬الصح”‭ ‬والجسد‭ ‬و‭ ‬المال‭ ‬و‭ ‬المجتمع‭ ‬“العلاقات‭ ‬الصحية”‭ ‬افضل‭ ‬من‭ ‬عزلة‭ ‬ابدية‭.‬

صحيح‭ ‬اننا‭ ‬نذوب‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬الصور،‭ ‬الإعلانات،‭ ‬الأخبار،‭ ‬والعلاقات‭ ‬السريعة‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أصبح‭ ‬مثل‭ ‬ماء‭ ‬يتسرب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأصابع‭. ‬لكن،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬تشارلز‭ ‬تايلور‭: ‬“الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحيا‭ ‬بلا‭ ‬أرض‭ ‬أخلاقية”،

والثقافة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الأرض،‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬غير‭ ‬المرئية‭ ‬التي‭ ‬تجعلنا‭ ‬نقف‭ ‬صامدين‭ ‬حين‭ ‬يسقط‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

تماما‭ ‬كما‭ ‬حذر‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬،إريك‭ ‬فروم‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬الحب‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭.‬

او‭ ‬كما‭ ‬صرخ‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬النمساوي‭ ‬،بولانيي‭ ‬ضد‭ ‬تحويل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭ ‬او‭ ‬ما‭ ‬شدد‭ ‬عليه‭ ‬فوكوياما‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬والقيم‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬أي‭ ‬ازدهار‭ ‬اقتصادي‭. ‬كلهم،‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬مختلفة،‭ ‬أكدوا‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬المتوازنة‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬جدار‭ ‬مقاومة‭ ‬ضد‭ ‬الانهيار‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬اركز‭ ‬على‭ ‬اهمية‭ ‬السعادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬،سعادة”المعنى”‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ :‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تدخل‭ ‬غرفة‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬السعادة‭ ‬دون‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تمتاز‭ ‬بالانفتاح‭ ‬الثقافي‭ ‬والرؤية‭ ‬الفكرية‭ ‬والمعرفية‭ ‬المتوازنة‭ ‬للحياة‭.‬

 

غرفة‭ ‬الثقافة

هي‭ ‬ليست‭ ‬مكتبة‭ ‬تقليدية،‭ ‬ولا‭ ‬صالة‭ ‬محاضرات‭. ‬إنها‭ ‬مساحة‭ ‬داخلية،‭ ‬غرفة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الإنسان،‭ ‬حيث‭ ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬الكتب‭ ‬والأفكار‭ ‬والقيم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تذوب‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭.‬

إن‭ ‬“غرفة‭ ‬الثقافة”‭ ‬ليست‭ ‬تكديسًا‭ ‬للكتب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬داخلي‭ ‬متماسك‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬العدالة،‭ ‬الحوار،‭ ‬الجمال،‭ ‬الفن،‭ ‬الفلسفة‭. ‬هي‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يُعيد‭ ‬للإنسان‭ ‬جذوره‭ ‬حين‭ ‬تنزع‭ ‬الحداثة‭ ‬كل‭ ‬الجذور‭. ‬فمن‭ ‬امتلك‭ ‬هذه‭ ‬الغرفة،‭ ‬صار‭ ‬كمن‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬فندقٍ‭ ‬متغير‭ ‬لكنه‭ ‬يحمل‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬قلبه‭.‬

الثقافة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬معرفة،‭ ‬بل‭ ‬بنية‭ ‬أساسية‭ ‬للروح‭. ‬مثل‭ ‬أساسٍ‭ ‬عميق‭ ‬لبيتٍ‭ ‬يتعرض‭ ‬للعواصف‭. ‬في‭ ‬حياة‭ ‬بلا‭ ‬ثقافة‭ ‬متنوعة‭ ‬انسانية‭ ‬تصبح‭ ‬السعادة‭ ‬زائفة‭ ‬،‭ ‬سعادة‭ ‬تسوّق‭ ‬كبضاعة‭: ‬ابتسم،‭ ‬اشترِ،‭ ‬سافر،‭ ‬استهلك‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬،‭ ‬السعادة‭ ‬تُبنى‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬عبر‭ ‬توازن‭ ‬الفكر‭ ‬والروح‭.‬

لذا‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬نركز‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬تنتقي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬نحو‭ ‬خلاصه‭ ‬أكثر‭ ‬جمالا‭ ‬وانسانية‭ ‬وتنوعا‭.‬

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬سائل،‭ ‬قد‭ ‬تضيع‭ ‬كل‭ ‬الغرف‭. ‬قد‭ ‬يُغلق‭ ‬جناح‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬قد‭ ‬تنهار‭ ‬قاعة‭ ‬الوظائف،‭ ‬قد‭ ‬تُطفأ‭ ‬أنوار‭ ‬الحب‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬غرفة‭ ‬الثقافة،‭ ‬يملك‭ ‬قلعة‭ ‬صغيرة‭ ‬تقاوم‭ ‬الفيضان؛‭ ‬لذا‭ ‬يفنى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬ويبقى‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭.‬