لوجه الله

“فئة أولى” والعام رقم “8”

| أسامة مهران

‭ ‬قد‭ ‬تظل‭ ‬تلك‭ ‬الأرقام‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وربما‭ ‬لعقود،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬استثناء‭ ‬من‭ ‬قاعدة،‭ ‬وبطولة‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬مكافحة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر‭ ‬وجرائمه،‭ ‬التجاوز‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬أخيه‭ ‬الإنسان،‭ ‬والتنمر‭ ‬بمصيره‭ ‬ومستقبله،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬لكي‭ ‬تحمي‭ ‬كرامته،‭ ‬وتصون‭ ‬مشاعره‭. ‬إنها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الحاصدة‭ ‬للرقم‭ ‬الاستثنائي‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأرقام،‭ ‬وللفئة‭ ‬المتقدمة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات،‭ ‬وهي‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركية‭ ‬أبرز‭ ‬مرجع‭ ‬دولي‭ ‬سنوي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مكافحة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر‭.‬

رقم‭ ‬استثنائي‭ ‬لأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بأصلها‭ ‬وفصلها‭ ‬وشحمها‭ ‬ولحمها،‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬البطولة‭ ‬الماراثونية‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬188‭ ‬دولة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬أما‭ ‬البطولة‭ ‬فكانت‭ ‬الفئة‭ ‬الأولى‭ ‬وللعام‭ ‬الثامن‭ ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬2018‭ - ‬2025‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالأشخاص‭ ‬وحفظ‭ ‬حقوقهم‭ ‬وكرامتهم،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬أفريقيا‭.‬

ولولا‭ ‬التاريخ‭ ‬العريق‭ ‬الذي‭ ‬قطعته‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والشراكة‭ ‬التنموية،‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬حصدت‭ ‬هذه‭ ‬الألقاب‭ ‬طوال‭ ‬السنوات‭ ‬الثماني‭ ‬الأخيرة،‭ ‬التاريخ‭ ‬يشهد‭ ‬لها‭.. ‬نعم،‭ ‬طبيعة‭ ‬شعب‭ ‬وسلوك‭ ‬دولة‭ ‬وأخلاق‭ ‬قيادة‭.. ‬أيضًا‭ ‬نعم،‭ ‬جمعيها‭.. ‬جميعها‭ ‬رسخت‭ ‬مبدأ‭ ‬دوليا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ترعى‭ ‬المؤسسات‭ ‬العالمية‭ ‬حقوق‭ ‬البشر،‭ ‬بل‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬القوانين‭ ‬والحيثيات‭ ‬والإحداثيات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬والوقاية‭ ‬من‭ ‬العدوان‭ ‬عليها،‭ ‬بل‭ ‬وحصد‭ ‬نتائجها‭ ‬وتحويل‭ ‬مرتكبي‭ ‬المخالفات‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬القوانين‭ ‬الصارمة‭ ‬واللوائح‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تحرسها‭ ‬مؤسسات‭ ‬تسهر‭ ‬على‭ ‬راحة‭ ‬المواطن‭ ‬والمقيم،‭ ‬وتخشى‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬غدر‭ ‬الزمان‭ ‬والظروف‭ ‬والملابسات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬عمل‭ ‬وبأية‭ ‬أداة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬لالتزام‭ ‬وطن‭ ‬تجاه‭ ‬ضيوفه‭ ‬وبنيه،‭ ‬وارتباط‭ ‬أمة‭ ‬بعادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬وعقيدة‭ ‬شعب‭ ‬لا‭ ‬تخطئها‭ ‬عين،‭ ‬ولا‭ ‬تهملها‭ ‬بصيرة‭.

‬لقد‭ ‬تربعت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬الدولية‭ ‬وهي‭ ‬تدرك‭ ‬تمام‭ ‬الإدراك‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬احتفاظ‭ ‬المملكة‭ ‬بهذه‭ ‬المكانة‭ ‬إنما‭ ‬يعكس‭ ‬ثقة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬النهج‭ ‬الحقوقي‭ ‬الذي‭ ‬تنتهجه‭ ‬البحرين،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬بلوغ‭ ‬القمم‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬سهلاً‭ ‬إنما‭ ‬البقاء‭ ‬عليها‭ ‬ولمدة‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬متصلة‭ ‬يعني‭ ‬دقة‭ ‬الإجراءات‭ ‬وإيمان‭ ‬القيادة‭ ‬والحكومة‭ ‬والشعب‭ ‬بأن‭ ‬حماية‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬التوافق‭ ‬والارتباط‭ ‬الحميمي‭ ‬بين‭ ‬ثمرة‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬مليكنا‭ ‬المعظم،‭ ‬والدعم‭ ‬والمتابعة‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬بوضع‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬تليق‭ ‬به‭ ‬كأحد‭ ‬محاور‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬وبناء‭ ‬بلاد‭ ‬الحضارة‭ ‬والتقدم‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬لا‭ ‬تهمل‭ ‬حق،‭ ‬ولا‭ ‬تتجاهل‭ ‬دور،‭ ‬ولا‭ ‬تنسى‭ ‬رسالة‭.‬

‭ ‬إنه‭ ‬الوعد‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬بلادنا‭ ‬وهي‭ ‬تزاوج‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬الأصالة‭ ‬عندما‭ ‬نشأت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬و”شهد‭ ‬شاهد‭ ‬من‭ ‬أهلها”،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬المتعايشين‭ ‬مع‭ ‬أهلها‭ ‬ليجد‭ ‬فيها‭ ‬المكان‭ ‬الأفضل‭ ‬للإقامة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬ذلك‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬انتهج‭ ‬منهجية‭ ‬الوقاية‭ ‬والمعالجة،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬وثقافة‭ ‬مجتمعية‭ ‬راسخة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬توفر‭ ‬منظومة‭ ‬مؤسسية‭ ‬متكاملة‭ ‬شملت‭ ‬الجانب‭ ‬التشريعي‭ ‬والوقائي‭ ‬والحمائي،‭ ‬والملاحقة‭ ‬القضائية‭ ‬والشراكة‭ ‬عبر‭ ‬قوانين‭ ‬متقدمة‭ ‬وإجراءات‭ ‬تواكب‭ ‬تطور‭ ‬الجريمة‭ ‬وتقيس‭ ‬مؤشراتها‭ ‬خاصةً‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭.‬

مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المكانة‭ ‬الدولية‭ ‬المرموقة‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر‭ ‬إلا‭ ‬وأن‭ ‬لديها‭ ‬تكاملًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬عاكسًا‭ ‬لذلك‭ ‬التنسيق،‭ ‬وتلك‭ ‬المتابعة‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬إعداد‭ ‬وتجهيز‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬بأجهزة‭ ‬وإدارات‭ ‬فاعلة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬دعم‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬وحفظ‭ ‬حقوق‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬التصدي‭ ‬للممارسات‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬حتى‭ ‬تسود‭ ‬أجواء‭ ‬الوئام‭ ‬والسلام‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬المنظومة‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬الوفادة‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬والهيئات‭ ‬توافقًا‭ ‬ومواكبة‭ ‬مع‭ ‬إرادة‭ ‬قيادة،‭ ‬وصفات‭ ‬شعب،‭ ‬وتاريخ‭ ‬وطن‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية