فجر جديد

مدرسة الأرواح القوية

| إبراهيم النهام

الابتلاء‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬الفانية،‭ ‬وهو‭ ‬اختبار‭ ‬إلهي‭ ‬يكشف‭ ‬معدن‭ ‬النفوس‭ ‬ويصقلها‭. ‬وقد‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬ضيق‭ ‬المعيشة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تحديات‭ ‬العمل،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اضطرابات‭ ‬الأسرة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬ألم‭ ‬المرض،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬الإنسان‭ ‬حقًا‭ ‬هو‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الصبر،‭ ‬بقوة‭ ‬داخلية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬والثقة‭ ‬بالله،‭ ‬بأن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬محنة‭ ‬منحة‭.‬

ففي‭ ‬المعيشة،‭ ‬يعلمنا‭ ‬الصبر‭ ‬أن‭ ‬الرزق‭ ‬بيد‭ ‬الله،‭ ‬وأن‭ ‬القناعة‭ ‬كنز‭ ‬لا‭ ‬يفنى‭. ‬وفي‭ ‬العمل،‭ ‬يزرع‭ ‬فينا‭ ‬الصبر‭ ‬المثابرة،‭ ‬ويحمينا‭ ‬من‭ ‬الانكسار‭ ‬أمام‭ ‬التحديات‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الأسرة،‭ ‬فالصبر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحفظ‭ ‬العلاقات‭ ‬الزوجية‭ ‬من‭ ‬الانهيار،‭ ‬ويمنح‭ ‬أصحابه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التسامح‭ ‬والتفاهم‭. ‬وفي‭ ‬المرض،‭ ‬يكون‭ ‬الصبر‭ ‬عبادة،‭ ‬ووسيلة‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬الله،‭ ‬وفرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬الحياة‭.‬

قال‭ ‬الأديب‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭: ‬“لأنك‭ ‬شديد‭ ‬الصبر‭ ‬ظنوا‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تشعر”،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬تختصر‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الصابرين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يشتكون،‭ ‬بل‭ ‬يواجهون‭ ‬الحياة‭ ‬بصمتٍ‭ ‬نبيل‭ ‬وثباتٍ‭ ‬عميق‭.‬

أما‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬محمود،‭ ‬فقد‭ ‬قال‭: ‬“من‭ ‬البلاء‭ ‬والصبر‭ ‬عليه،‭ ‬ومن‭ ‬الألم‭ ‬واحتماله؛‭ ‬تنمو‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬صفات”،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الابتلاء‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬اختبارًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فرصة‭ ‬لتشكيل‭ ‬الشخصية‭ ‬وصقل‭ ‬الروح‭.‬

الرسالة‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الابتلاء‭ ‬ليس‭ ‬نهاية،‭ ‬بل‭ ‬بداية‭ ‬جديدة‭. ‬والمطلوب‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬ألا‭ ‬يستسلم،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يتأمل،‭ ‬ويتعلم،‭ ‬ويواصل‭ ‬السير‭ ‬بثقة‭. ‬فالصبر‭ ‬ليس‭ ‬ضعفًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُرى،‭ ‬والبطولة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُصفق‭ ‬لها‭ ‬الجماهير،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬الإنسان‭ ‬الحقيقي‭. ‬

 

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني