حروف وأرقام

نحو فضاء سيبراني خليجي آمن.. دروس من التجربة السعودية

| ياسر سليم

لم‭ ‬تعد‭ ‬الهجمات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ضربًا‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬المغامرة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬محاولات‭ ‬عابثة‭ ‬من‭ ‬هواة‭ ‬الاختراق،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬كاملة،‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬مصالح‭ ‬مالية‭ ‬وشبكات‭ ‬إجرامية‭ ‬وأحيانًا‭ ‬حسابات‭ ‬جيوسياسية‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يأتي‭ ‬إطلاق‭ ‬السعودية‭ ‬أخيرا‭ ‬لـ‭ ‬“خدمة‭ ‬التصيد‭ ‬الإلكتروني”،‭ ‬بوصفه‭ ‬إعلانًا‭ ‬صريحًا‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬المستقبل‭ ‬لن‭ ‬تُحسم‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬“الكود”‭ ‬والبيانات‭.‬

الخدمة‭ ‬التي‭ ‬دشنتها‭ ‬الهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬للأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬تحمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دلالة؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بمجرد‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬مزيفة‭ ‬أو‭ ‬روابط‭ ‬خبيثة،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬“مناعة‭ ‬سيبرانية”‭ ‬جماعية‭ ‬عبر‭ ‬التثقيف،‭ ‬والمحاكاة،‭ ‬وقياس‭ ‬الجهوزية‭. ‬بكلمات‭ ‬أخرى،‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬جدار‭ ‬يُشيَّد‭ ‬لمواجهة‭ ‬هجوم،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬وعي‭ ‬تُبنى‭ ‬لتجعل‭ ‬كل‭ ‬موظفٍ‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭.‬

الأرقام‭ ‬بدورها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬الرهان‭: ‬سوق‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬تنمو‭ ‬بنسبة‭ ‬14‭ % ‬سنويًا،‭ ‬بإنفاق‭ ‬يتجاوز‭ ‬15‭ ‬مليار‭ ‬ريال‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬نفقات‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الثقة،‭ ‬وحماية‭ ‬للبنى‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة،‭ ‬ومن‭ ‬التعليم‭ ‬إلى‭ ‬الصحة‭. ‬

واللافت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة‭ ‬تأتي‭ ‬عبر‭ ‬“حصين”،‭ ‬البوابة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬طوِّرت‭ ‬بواسطة‭ ‬“سايت”؛‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬شراكة‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وذراعها‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬حماية‭ ‬متكاملة‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬المتابع‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والخليج‭ ‬عمومًا‭ ‬ليس‭ ‬الخبر‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬وراءه؛‭ ‬إذ‭ ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬سؤالًا‭ ‬جوهريًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬للأزمات‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬ممتدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة؟‭ ‬

التجربة‭ ‬السعودية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الأجهزة‭ ‬والأنظمة؛‭ ‬فالهجوم‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الأكثر‭ ‬فتكًا‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬ثغرة‭ ‬تقنية‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬“نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬بشرية”‭: ‬موظف‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬رابط‭ ‬مشبوه،‭ ‬أو‭ ‬يتجاوب‭ ‬مع‭ ‬بريد‭ ‬مزيف‭.‬

إن‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬المملكة‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬جيرانها‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الرقمية‭ ‬الضخمة‭ ‬مع‭ ‬تهديدات‭ ‬متزايدة‭. ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬خطوط‭ ‬النفط‭ ‬تحتاج‭ ‬لحراس،‭ ‬فإن‭ ‬الشبكات‭ ‬تحتاج‭ ‬لوعي‭ ‬يقظ‭. ‬وما‭ ‬تقدمه‭ ‬مبادرة‭ ‬“التصيد‭ ‬الإلكتروني”‭ ‬هو‭ ‬درس‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الوقاية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬النظام‭.

من‭ ‬هنا،‭ ‬فدول‭ ‬الخليج‭ ‬ربما‭ ‬تستلهم‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬لا‭ ‬لمجرد‭ ‬التقليد،‭ ‬بل‭ ‬لبناء‭ ‬منظومة‭ ‬تكاملية‭ ‬إقليمية،‭ ‬تعزز‭ ‬الحماية‭ ‬السيبرانية‭ ‬عبر‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬وتوحيد‭ ‬المعايير،‭ ‬وإطلاق‭ ‬برامج‭ ‬مشتركة‭ ‬للتدريب‭ ‬والتوعية؛‭ ‬ففي‭ ‬فضاء‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالحدود،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تحصن‭ ‬دولة‭ ‬نفسها‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬جيرانها‭ ‬مكشوفي‭ ‬الجبهة‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬“ملفًا‭ ‬تقنيًا”‭ ‬لمختصي‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬سيادية‭ ‬بامتياز،‭ ‬تمس‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والسياسي‭. ‬والسعودية‭ ‬بخطوتها‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تدافع‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬بل‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مقاربة‭ ‬خليجية‭ ‬جديدة،‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬الواعي‭ ‬والبيئة‭ ‬المؤسسية‭ ‬المحصنة‭ ‬الركيزة‭ ‬الأولى‭ ‬لأي‭ ‬أمن‭ ‬مستدام‭.‬

 

‭ * ‬كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي