مجرد رأي

مقاومة النسيان

| كمال الذيب

الفلسفة،‭ ‬أم‭ ‬العلوم‭ ‬وقاطرة‭ ‬الفكر‭ ‬في‭ ‬تطوره‭ ‬وانفتاحه‭ ‬وبوابة‭ ‬القبول‭ ‬بالاختلاف‭ ‬والتنوع،‭ ‬وترسيخ‭ ‬للغة‭ ‬الحوار‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬البشرية،‭ ‬بلغة‭ ‬العقل‭ ‬والتحليل‭ ‬والانفتاح‭. ‬لذلك‭ ‬نتساءل‭ ‬عن‭ ‬مبرر‭ ‬إثارة‭ ‬التوجس‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬ومن‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬عندنا؟‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬أكثر‭ ‬المجالات‭ ‬إذكاءً‭ ‬للملكة‭ ‬النقديّة،‭ ‬فإنّها‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب،‭ ‬الأكثر‭ ‬تهميشا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭. ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬ضرورة‭ ‬لإدراك‭ ‬الذات‭ ‬وفهم‭ ‬الآخر‭ ‬وسط‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسيطرة‭ ‬قيم‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭. ‬فالإنسانيات‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬إحياء‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬والتضامن‭ ‬الإنساني‭ ‬والاندماج‭ ‬والتحفيز‭ ‬على‭ ‬النقاش‭ ‬والنقد،‭ ‬على‭ ‬نقيض‭ ‬قيم‭ ‬الخضوع‭ ‬والتنميط‭ ‬التي‭ ‬تُراهن‭ ‬ثقافة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬ترسيخها‭ ‬لتكريس‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭.‬

وحتى‭ ‬إذا‭ ‬رجعنا‭ ‬إلى‭ ‬سياق‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬فإن‭ ‬علم‭ ‬الكلام‭ ‬كان‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬فكرية‭ ‬ضرورية،‭ ‬وتكريسًا‭ ‬للحرية‭ ‬والتعددية‭ ‬الفكرية‭ ‬والاجتهاد‭. ‬لذلك‭ ‬عندما‭ ‬أقفلت‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬العقلانية‭ ‬بغلق‭ ‬باب‭ ‬الاجتهاد‭ ‬وتحجير‭ ‬التكلم‭ -‬انكفأت‭ ‬الحياة‭ ‬العلمية‭ ‬والفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬معًا‭ - ‬وساد‭ ‬الجهل‭ ‬وخرجنا‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الفعل‭ ‬الحضاري،‭ ‬وأنفقنا‭ ‬جل‭ ‬جهدنا‭ ‬في‭ ‬التقليد‭ ‬والحفظ‭ ‬والتكرار‭. ‬

إن‭ ‬طريقنا‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬يمرّ‭ ‬حتمًا‭ ‬عبر‭ ‬تجاوزنا‭ ‬هذا‭ ‬التصوّر‭ ‬الجامد،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬الفعل‭ ‬للإنسان‭ ‬تجاه‭ ‬النزعات‭ ‬القدرية،‭ ‬والإعلاء‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬العقل‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الحسن‭ ‬والقبيح،‭ ‬وتجاوز‭ ‬الظواهر‭ ‬إلى‭ ‬العمق،‭ ‬والإقرار‭ ‬بأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬نسبية‭ ‬ومتطّورة،‭ ‬والحرية‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬النظرة‭ ‬الحرفية‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والقراءة‭ ‬والمقاربة‭ ‬والتفسير‭ ‬والتأويل‭ ‬والاستنتاج‭.

أما‭ ‬أحادية‭ ‬الفكر‭ ‬فتؤدي‭ ‬حتمًا‭ ‬إلى‭ ‬الجمود‭ ‬وتضييق‭ ‬الفسح‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتخطئة‭ ‬المخالف‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬وتكفيره‭ ‬وإقصائه،‭ ‬بينما‭ ‬الفكر‭ ‬متجدد،‭ ‬والمقاربات‭ ‬متعددة‭ ‬والمداخل‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها،‭ ‬والتأويل‭ ‬إمكانات‭ ‬واحتمالات‭ ‬متناقضة‭ ‬ومتكاملة‭ ‬في‭ ‬تنوعها‭ ‬وتجددها،‭ ‬فلا‭ ‬مجال‭ ‬للرأي‭ ‬الواحد‭ ‬القاطع‭ ‬الحاسم‭. ‬

إن‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬تبقى‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الأجوبة،‭ ‬فكل‭ ‬جواب‭ ‬يطرح‭ ‬بدوره‭ ‬احتمالات‭ ‬أسئلة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬محدودة‭. ‬لذلك‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬محو‭ ‬عملها،‭ ‬والتعصّب‭ ‬لا‭ ‬ينشأ‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بوجود‭ ‬حقائق‭ ‬نهائية‭ ‬مطلقة‭ ‬وثابتة‭ ‬لا‭ ‬يشوبها‭ ‬الشك‭. ‬فهذه‭ ‬النظرة‭ ‬الإطلاقية‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الاستبداد‭ ‬بالرأي،‭ ‬وإلى‭ ‬التعصب،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تحاكم‭ ‬المثقفين‭ ‬والمفكرين‭ ‬وكتبهم‭ ‬بسبب‭ ‬تأويلاتهم‭ ‬الخاصة‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني