ثقافة الحضور... بين الإتيكيت والاحتراف

| زهير توفيقي

لا‭ ‬يكاد‭ ‬يمر‭ ‬اجتماع‭ ‬أو‭ ‬مؤتمر‭ ‬أو‭ ‬ندوة‭ ‬إلا‭ ‬وتجد‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬مشهدًا‭ ‬بات‭ ‬مألوفًا‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مقبول،‭ ‬هواتف‭ ‬نقالة‭ ‬تضيء‭ ‬وتطن،‭ ‬وأصابع‭ ‬تنشغل‭ ‬بالرسائل‭ ‬ومتابعة‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬بينما‭ ‬المتحدث‭ ‬يشرح‭ ‬ويعرض‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬بكل‭ ‬جهد‭ ‬واجتهاد‭. ‬المتحدث‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬يلاحظ‭ ‬ذلك،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬سوى‭ ‬المضي‭ ‬قدمًا،‭ ‬فيما‭ ‬يعتريه‭ ‬شعور‭ ‬بالامتعاض‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أبسط‭ ‬قواعد‭ ‬الإتيكيت‭ ‬والاحترام‭ ‬والذوق‭ ‬العام‭.‬

ثقافة‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المناسبات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬الوجود‭ ‬الجسدي‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الآداب‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬مستوى‭ ‬وعي‭ ‬المجتمع‭ ‬ورقي‭ ‬مؤسساته،‭ ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬للمنزل‭ ‬والشارع‭ ‬والمدرسة‭ ‬قواعد‭ ‬وأسسا،‭ ‬فإن‭ ‬لقاعات‭ ‬الاجتماعات‭ ‬والندوات‭ ‬أيضًا‭ ‬أصولًا‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بالوقت،‭ ‬وتمر‭ ‬باختيار‭ ‬الملبس‭ ‬المناسب،‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالتركيز‭ ‬والإنصات،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأحاديث‭ ‬الجانبية‭ ‬أو‭ ‬الانشغال‭ ‬بالهاتف‭. ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬الخاطئة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تفاصيل‭ ‬شكلية؛‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬أثر‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬أية‭ ‬فعالية‭ ‬أو‭ ‬فشلها‭. ‬فالمتحدث‭ ‬حين‭ ‬يجد‭ ‬الاهتمام‭ ‬والاحترام‭ ‬والتفاعل،‭ ‬فإنه‭ ‬حتمًا‭ ‬يبدع‭ ‬ويجتهد‭ ‬أكثر،‭ ‬بينما‭ ‬الإهمال‭ ‬والتشتت‭ ‬يحبطه‭ ‬ويجعل‭ ‬كلماته‭ ‬تتساقط‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬بارد‭. ‬وكذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الحضور‭ ‬المنضبط‭ ‬يمنح‭ ‬صورة‭ ‬إيجابية‭ ‬عن‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬الجهة‭ ‬المنظمة،‭ ‬ويعزز‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬واحترافيته‭.‬

شخصيًّا‭ ‬حضرت‭ ‬ندوة‭ ‬مهمة‭ ‬جدًّا‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬4‭ ‬متحدثين،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الجلسة‭. ‬وقد‭ ‬صدمت‭ ‬وأنا‭ ‬أرى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحضور‭ ‬غير‭ ‬مكترثين،‭ ‬بل‭ ‬ومشغولين‭ ‬بهواتفهم،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬مغادرة‭ ‬عدد‭ ‬منهم‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة،‭ ‬والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القاعة‭ ‬كانت‭ ‬صغيرة‭ ‬نوعا‭ ‬ما.

الجميل‭ ‬وفي‭ ‬لفتة‭ ‬رائعة‭ ‬وذكية‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬أدركت‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬الخاطئة،‭ ‬فبادرت‭ ‬إداراتها‭ ‬التنفيذية‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬واضحة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالإتيكيت‭ ‬للحضور‭ ‬والمشاركة،‭ ‬منها‭ ‬الالتزام‭ ‬بالوقت،‭ ‬وإغلاق‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول‭ ‬أو‭ ‬وضعه‭ ‬على‭ ‬الصامت،‭ ‬ولباس‭ ‬رسمي‭ ‬لائق،‭ ‬ومنع‭ ‬الأحاديث‭ ‬الجانبية‭. ‬وقد‭ ‬أثمر‭ ‬ذلك‭ ‬التزامًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬رغم‭ ‬تحفظاتهم،‭ ‬بل‭ ‬بعضهم‭ ‬أظهروا‭ ‬امتعاضهم‭ ‬في‭ ‬البداية‭! ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬التعليمات‭ ‬أصبحوا‭ ‬مثالًا‭ ‬يحتذى‭ ‬في‭ ‬الجدية‭ ‬والاحترام،‭ ‬وأضحت‭ ‬اجتماعاتهم‭ ‬أكثر‭ ‬إنتاجية‭ ‬وجودة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬الانضباطية‭ ‬جعلتهم‭ ‬يتميزون‭ ‬في‭ ‬مشاركاتهم‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬أعطوا‭ ‬لمسة‭ ‬رائعة‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬صورة‭ ‬مؤسساتهم‭.‬

الخلاصة‭... ‬إننا‭ ‬بأمسّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أخلاقيات‭ ‬العمل‭ ‬العام،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬أو‭ ‬بروتوكولًا‭ ‬شكليًّا،‭ ‬بل‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬العمل‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭. ‬فكما‭ ‬نُحسن‭ ‬اختيار‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬حديثنا،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نُحسن‭ ‬سلوكنا‭ ‬في‭ ‬حضورنا،‭ ‬لنرتقي‭ ‬بأنفسنا‭ ‬ومؤسساتنا،‭ ‬ولنجعل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اجتماع‭ ‬أو‭ ‬مؤتمر‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للإضافة،‭ ‬لا‭ ‬مضيعة‭ ‬للوقت‭.‬

متمنيًا‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬جميع‭ ‬الوزارات‭ ‬والهيئات‭ ‬الحكومية‭ ‬والشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والبنوك‭ ‬الخاصة‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬ضمن‭ ‬أولويات‭ ‬خطة‭ ‬إدارات‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭ ‬للموظفين‭ ‬بهدف‭ ‬الارتقاء‭ ‬بالعامل‭ ‬البحريني‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني