حين يصبح الفهم بداية الحاجة لا نهايتها

| علي البستكي

قبل‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬كانت‭ ‬البداية‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬الفني‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الرسوم‭ ‬البيانية‭ ‬اليدوية،‭ ‬حيث‭ ‬كنا‭ ‬نرسم‭ ‬حركة‭ ‬الأسعار‭ ‬بالقلم‭ ‬والورقة‭ ‬ونحسب‭ ‬المؤشرات‭ ‬يدويًا،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيه‭ ‬الشاشات‭ ‬ولا‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقمية‭ ‬متاحة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭. ‬كان‭ ‬كل‭ ‬رسم‭ ‬يحتاج‭ ‬لدقة‭ ‬متناهية،‭ ‬وكل‭ ‬قرار‭ ‬استثماري‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الحساب‭ ‬والملاحظة،‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬مساعدة‭ ‬تقنية‭. ‬كانت‭ ‬الأخطاء‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬مكلفة،‭ ‬وأي‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خسارة‭ ‬أو‭ ‬فقدان‭ ‬فرصة‭.  ‬

في‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬كمتداول‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المال،‭ ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬الفهم‭ ‬هو‭ ‬محطة‭ ‬الوصول،‭ ‬وأن‭ ‬إدراك‭ ‬قواعد‭ ‬السوق‭ ‬كافٍ‭ ‬لصناعة‭ ‬القرار‭. ‬لكنني‭ ‬اكتشفت‭ ‬مبكرًا‭ ‬أن‭ ‬الفهم‭ ‬ليس‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق‭ ‬بل‭ ‬بدايته،‭ ‬وكلما‭ ‬ازددت‭ ‬علمًا‭ ‬بتعقيدات‭ ‬السوق،‭ ‬شعرت‭ ‬بحاجتي‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬والتجربة‭. ‬وكأن‭ ‬السوق‭ ‬يفتح‭ ‬لك‭ ‬بابًا‭ ‬بعد‭ ‬آخر،‭ ‬لتكتشف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬اليوم‭ ‬مجرد‭ ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬قراري‭ ‬والمسؤولية‭ ‬مسؤوليتي،‭ ‬وأن‭ ‬مشروعك‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬هو‭ ‬مشروعك‭ ‬وحده؛‭ ‬تبنيه‭ ‬بخبرتك‭ ‬وتديره‭ ‬بوعيك،‭ ‬لا‭ ‬بما‭ ‬يقوله‭ ‬الآخرون‭.‬

الأسواق‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭ ‬من‭ ‬يسير‭ ‬خلف‭ ‬الأصوات‭ ‬العالية‭ ‬أو‭ ‬يتبع‭ ‬موجات‭ ‬الحماس‭. ‬فهي‭ ‬سريعة‭ ‬في‭ ‬مكافأة‭ ‬من‭ ‬يفهمها،‭ ‬وأسرع‭ ‬في‭ ‬معاقبة‭ ‬من‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬امتلك‭ ‬سرها‭. ‬هنا‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬لا‭ ‬تُكتب‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬ثم‭ ‬تُترك،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬مسارات‭ ‬السوق،‭ ‬وتتطور‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬أدواته‭ ‬وأساليبه‭.‬

وليس‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬صواب‭ ‬دائمًا،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬نتائج‭ ‬قرارك،‭ ‬سواء‭ ‬جلب‭ ‬لك‭ ‬ربحًا‭ ‬أو‭ ‬علّمك‭ ‬درسًا‭. ‬فالمسؤولية‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الصفقة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬نتائجها‭ ‬دون‭ ‬تبرير‭ ‬أو‭ ‬لوم‭ ‬للآخرين‭. ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬جعلتني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬استثماري‭ ‬هو‭ ‬مرآة‭ ‬لصاحبه‭: ‬من‭ ‬يزرع‭ ‬وعيًا‭ ‬وصبرًا‭ ‬يحصد‭ ‬استقرارًا،‭ ‬ومن‭ ‬يزرع‭ ‬طمعًا‭ ‬واندفاعًا‭ ‬يحصد‭ ‬خسارة‭ ‬وندمًا‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬فهمي‭ ‬الأولي‭ ‬للسوق‭ ‬مجرد‭ ‬مدخل،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬أثبتت‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬ليست‭ ‬معادلات‭ ‬جامدة‭ ‬ولا‭ ‬أرقامًا‭ ‬صماء،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬انعكاس‭ ‬لمشاعر‭ ‬البشر،‭ ‬لخوفهم‭ ‬وطمعهم،‭ ‬لثقتهم‭ ‬وارتباكهم‭. ‬هنا‭ ‬بالذات‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الفهم‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬معرفة‭ ‬الأرقام‭ ‬والرسوم‭ ‬البيانية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬النفس‭ ‬قبل‭ ‬قراءة‭ ‬السوق‭.‬

الخاتمة

الفهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للسوق‭ ‬ليس‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق،‭ ‬بل‭ ‬بداية‭ ‬رحلة‭ ‬متجددة‭. ‬وكلما‭ ‬حسبت‭ ‬أنك‭ ‬وصلت،‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬أمامك‭ ‬المزيد‭ ‬لتتعلمه‭ ‬وتعيشه‭. ‬لذلك،‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الإجابات‭ ‬الجاهزة‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬ضمانات‭ ‬مستحيلة،‭ ‬بل‭ ‬ابحث‭ ‬عن‭ ‬وعيك‭ ‬أنت،‭ ‬وعن‭ ‬قرار‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤوليته‭ ‬أنت،‭ ‬فالسوق‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬يعطي‭ ‬إلا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تأخذ‭ ‬منه‭ ‬بوعي‭ ‬وصبر‭ ‬وانضباط‭.

‭* ‬خبير‭ ‬مصرفي‭ ‬ومستشار‭ ‬اقتصادي