البحرين على مسار دبلوماسية الاقتصاد

| أحمد جعفر

المتتبع‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬البحرينية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الحراك‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ - ‬حفظه‭ ‬الله‭ - ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبل‭ ‬واعد‭ ‬للبحرين‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭. ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬النشطة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية؛‭ ‬فالزيارات‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬سموه‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬أساسها‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وتعميق‭ ‬الشراكات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تأتي‭ ‬زيارة‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإيطالية‭ ‬ولقاؤه‭ ‬المرتقب‭ ‬برئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬جورجيا‭ ‬ميلوني،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬دولية‭ ‬متينة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المنافع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬لاستقطاب‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخارجي‭ ‬للسوق‭ ‬البحريني،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭.‬

وبالنسبة‭ ‬للمنامة‭ ‬وروما،‭ ‬فإن‭ ‬جذور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬تعود‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عقود،‭ ‬لكنها‭ ‬شهدت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬طفرة‭ ‬كبيرة‭ ‬جعلت‭ ‬إيطاليا‭ ‬الشريك‭ ‬التجاري‭ ‬الأوروبي‭ ‬الأول‭ ‬للبحرين‭.‬

وهنا‭ ‬تقول‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬إن‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬وإيطاليا‭ ‬بلغ‭ ‬779‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬فيما‭ ‬قفزت‭ ‬صادرات‭ ‬المنامة‭ ‬إلى‭ ‬روما‭ ‬بنسبة‭ ‬364‭ ‬بالمئة‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬متانة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ونجاعة‭ ‬الرؤية‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬العالمية.

ومن‭ ‬خلال‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الخارجية‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الشركاء‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬كالصناعة‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية‭ ‬والسياحة،‭ ‬يواصل‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقع‭ ‬البحرين‭ ‬كمركز‭ ‬إقليمي‭ ‬جاذب‭ ‬للأعمال‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬الرؤية‭ ‬الخليجية‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬تؤسس‭ ‬لاقتصادات‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬النفط‭.‬

وفي‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬تحمل‭ ‬زيارة‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬للفاتيكان‭ ‬ولقاء‭ ‬البابا‭ ‬الجديد‭ ‬ليو‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬رسالة‭ ‬عميقة‭ ‬تعكس‭ ‬نهج‭ ‬البحرين‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬التسامح‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والثقافات‭ ‬والشعوب‭.‬

إن‭ ‬البحرين،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ومازالت‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬واحترام‭ ‬التنوع‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي،‭ ‬تثبت‭ ‬اليوم‭ ‬أنها‭ ‬ماضية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬هويتها‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬استراتيجي‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭ ‬يرسم‭ ‬ملامح‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬إشراقًا؛‭ ‬فالدبلوماسية‭ ‬البحرينية‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬متجددة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬ومن‭ ‬التسامح‭ ‬والانفتاح‭ ‬جسرًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬البحرين‭ ‬كدولة‭ ‬صغيرة‭ ‬بحجمها،‭ ‬لكنها‭ ‬كبيرة‭ ‬برسائلها‭ ‬وقيمها‭ ‬السامية‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬زيارة‭ ‬إيطاليا‭ ‬والفاتيكان‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬محطة‭ ‬جديدة‭ ‬لسموه،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬خطوة‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬وطن‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬ازدهار‭ ‬الداخل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الحضور‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني