عندما يصبح قتل الفلسطينيين واجبا مقدّسا

| كمال الذيب

حظي‭ ‬إعلان‭ ‬نيويورك‭ ‬بشأن‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬بتأييد‭ ‬استثنائي‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بأغلبية‭ ‬ساحقة،‭ ‬تأكيدًا‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬الدولي‭ ‬بحل‭ ‬الدولتين،‭ ‬لبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬والإسرائيليين‭ ‬وشعوب‭ ‬المنطقة‭.. ‬ولكن‭ ‬كيف‭ ‬تلقت‭ ‬إسرائيل‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان؟‭ ‬الجواب‭ ‬كان‭ ‬الرفض‭ ‬والاستنكار‭ ‬وتصعيد‭ ‬الإبادة‭ ‬والتدمير‭ ‬والتهجير،‭ ‬بدعم‭ ‬لا‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬واد‭ ‬وإسرائيل‭ ‬والإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬واد‭ ‬آخر‭.‬

إن‭ ‬المشكلة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬البعد‭ ‬السياسي‭ ‬والقانوني‭ ‬الدولي،‭ ‬إنها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬الآيديولوجيات‭ ‬الراسخة،‭ ‬فقبل‭ ‬سنوات‭ ‬كشفت‭ ‬صحيفة‭ ‬“يديعوت‭ ‬أحرونوت”‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬تنظيم‭ ‬جديد‭ ‬يدعو‭ ‬علانية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬أرض‭ ‬الميعاد‭ ‬من‭ ‬“العرب‭ ‬والدروز‭ ‬والبدو‭ ‬والنصارى”،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬كشفت‭ ‬صحيفة‭ ‬“هآرتس”‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬توصي‭ ‬طلاب‭ ‬المدارس‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬المتوسطة‭ ‬بمطالعة‭ ‬كتب‭ ‬تتضمن‭ ‬“رؤى‭ ‬عنصرية‭ ‬ضد‭ ‬العرب”،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬للحاخام‭ ‬عوفاديا‭ ‬يوسف‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬العرب‭ ‬بأنهم‭ ‬“أولاد‭ ‬أفاعٍ،‭ ‬ومن‭ ‬الواجب‭ ‬قتلهم”‭. ‬

إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬والتصريحات‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬تثير‭ ‬بعض‭ ‬الغضب‭ ‬المحدود‭ ‬والاحتجاج‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬اليسارية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والليبرالية‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬ولكن‭ ‬اليوم‭ ‬يتبناها‭ ‬وزراء‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬علانية‭. ‬هذه‭ ‬المقولات‭ ‬الدموية‭ ‬خرجت‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬مجرد‭ ‬نظرية‭ ‬عنصرية،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬خطة‭ ‬عملية‭ ‬تنفذ‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬خلفية‭: ‬“لا‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬لشعبين”،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لحل‭ ‬الدولتين‭. ‬فكراهية‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬بضعة‭ ‬مستوطنين‭ ‬ملتهبي‭ ‬الرؤوس،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والممارسة‭. ‬فلا‭ ‬فرق‭ ‬تقريبا‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يعلنه‭ ‬المستوطنون‭ ‬المتطرفون‭ ‬والوزراء‭ ‬المتطرفون‭ ‬ومختلف‭ ‬الأسماء‭ ‬ذات‭ ‬الوزن‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام.

فرابين‭ ‬كان‭ ‬يود‭ ‬أن‭ ‬يتبخر‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬ليتحولوا‭ ‬إلى‭ ‬غيمة‭.. ‬أما‭ ‬شارون‭ ‬ونتنياهو،‭ ‬فإنهما‭ ‬أدركا‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الغيمة‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬سيل‭ ‬يجتاحهما‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬ولذلك‭ ‬فضّلا‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬والترانسفير‭.‬

ومثلما‭ ‬كتب‭ ‬أحد‭ ‬رواد‭ ‬الصهيونية‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭: ‬“إذا‭ ‬كان‭ ‬القدر‭ ‬قد‭ ‬شاء‭ ‬أن‭ ‬يُوضع‭ ‬شعبين‭ ‬وجهًا‭ ‬لوجه،‭ ‬وأن‭ ‬يواجههما‭ ‬خيار‭: (‬أنتم‭ - ‬أو‭ ‬نحن‭) ‬فإن‭ ‬المصلحة‭ ‬القومية‭ ‬وحدها‭ ‬تغدو‭ ‬الواجب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الوحيد،‭ ‬ويصبح‭ ‬الصراع‭ ‬وصية‭ ‬السماء،‭ ‬ويصبح‭ ‬قتل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وطردهم‭ ‬من‭ ‬أرضهم‭ ‬واجبا‭ ‬مقدّسا”‭. ‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني