البحرين وإيطاليا ومستقبل شراكات استراتيجية في ريادة الأعمال والتنمية المستدامة

| د. نجيب الغربال

زيارة‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬إلى‭ ‬روما‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادي‭ ‬أخضر‭ ‬ورقمي من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭.. ‬البحرين‭ ‬منصة‭ ‬ابتكار‭ ‬وإيطاليا‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬الاستدامة

تتمتع‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وجمهورية‭ ‬إيطاليا‭ ‬بجذور‭ ‬دبلوماسية‭ ‬راسخة‭ ‬امتدت‭ ‬عقودا،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تشهد‭ ‬اليوم‭ ‬زخما‭ ‬متجددا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬النظامين‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭. ‬إن‭ ‬الزيارة‭ ‬المرتقبة‭ ‬لسمو‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬إلى‭ ‬إيطاليا‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬استراتيجي‭ ‬يعكس‭ ‬حرص‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬الدولية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬عبر‭ ‬شريك‭ ‬محوري‭ ‬كإيطاليا‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬مجالان‭ ‬واعدان‭ ‬للتعاون‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكلا‭ ‬رافعة‭ ‬للعلاقات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وهما‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة؛‭ ‬لما‭ ‬لهما‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬طموحات‭ ‬البحرين‭ ‬التنموية‭ ‬ورؤية‭ ‬إيطاليا‭ ‬الاقتصادية‭.‬

البعد‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬والاستراتيجي

تمثل‭ ‬البحرين‭ ‬وإيطاليا‭ ‬موقعين‭ ‬محوريين‭ ‬في‭ ‬فضاءين‭ ‬جغرافيين‭ ‬متكاملين،‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬جيوسياسية‭ ‬وأمنية،‭ ‬وإيطاليا‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬لأوروبا‭ ‬كبوابة‭ ‬رئيسة‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والبحر‭ ‬المتوسط‭. ‬هذا‭ ‬التلاقي‭ ‬يمنح‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬بعدا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإطار‭ ‬الثنائي،‭ ‬ليشكل‭ ‬جسرا‭ ‬رابطا‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تعاون‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬ذات‭ ‬الاهتمام‭ ‬المشترك‭.‬

هذا،‭ ‬وتسعى‭ ‬البحرين‭ ‬برؤيتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬2030‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬متنوع‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والمعرفة،‭ ‬فيما‭ ‬تعمل‭ ‬إيطاليا‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الشراكات‭ ‬مع‭ ‬مناطق‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬الخليج،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إدماج‭ ‬قضايا‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬يوفر‭ ‬أرضية‭ ‬صلبة‭ ‬لتوسيع‭ ‬التعاون‭. ‬فالبحرين،‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المالية،‭ ‬والنقل،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الخدمات،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منصة‭ ‬للمبادرات‭ ‬الريادية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فيما‭ ‬تسهم‭ ‬إيطاليا‭ ‬بخبراتها‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الخضراء‭ ‬والصناعات‭ ‬المستدامة‭. ‬هذه‭ ‬التفاعلات‭ ‬تجعل‭ ‬العلاقة‭ ‬البحرينية‭ ‬الإيطالية‭ ‬نموذجا‭ ‬للتكامل‭ ‬بين‭ ‬أقاليم‭ ‬مختلفة‭ ‬تتقاطع‭ ‬مصالحها‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والنمو‭.‬

الفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية

يمثل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬لتعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية؛‭ ‬فالبحرين‭ ‬تقدم‭ ‬بيئة‭ ‬مرنة‭ ‬وحاضنة‭ ‬لريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬مع‭ ‬بنية‭ ‬مالية‭ ‬وتشريعية‭ ‬متطورة‭ ‬تجعلها‭ ‬وجهة‭ ‬مثالية‭ ‬للشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تعد‭ ‬إيطاليا‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬أوروبية‭ ‬تتمتع‭ ‬بخبرة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬الهندسة،‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الرقمية،‭ ‬والصناعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭. ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬مسارات‭ ‬رئيسة‭ ‬تمثل‭ ‬ركائز‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬وهي‭:‬

أولا‭: ‬ريادة‭ ‬الأعمال

يمكن‭ ‬للشركات‭ ‬الإيطالية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬المنظومة‭ ‬البحرينية‭ ‬الداعمة‭ ‬للمبتكرين‭ ‬ورواد‭ ‬الأعمال،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الحاضنات‭ ‬والمسرعات‭ ‬والمناخ‭ ‬التشريعي‭ ‬المتطور‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للبحرين‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الإيطالية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التصميم،‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬والابتكار‭ ‬الصناعي‭.‬

ثانيا‭: ‬التنمية‭ ‬المستدامة

مع‭ ‬التزام‭ ‬البحرين‭ ‬بأهداف‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ (‬SDGs‭) ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ (‬SDG7‭) ‬والصناعة‭ ‬والابتكار‭ (‬SDG9‭)‬،‭ ‬تبرز‭ ‬إيطاليا‭ ‬كشريك‭ ‬مثالي‭ ‬لما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدائري‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والرياح‭. ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المنافع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المباشرة،‭ ‬بل‭ ‬يسهم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الصورة‭ ‬الدولية‭ ‬للبلدين‭ ‬كداعمين‭ ‬للاستدامة‭ ‬العالمية‭.‬

ثالثا‭: ‬التكنولوجيا‭ ‬المالية‭ (‬FinTech‭)‬

في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي،‭ ‬تُعد‭ ‬البحرين‭ ‬مركزا‭ ‬إقليميا‭ ‬رائدا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المالية،‭ ‬وهي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مد‭ ‬الجسور‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإيطالية‭ ‬الناشئة‭ ‬لتطوير‭ ‬حلول‭ ‬رقمية‭ ‬مشتركة‭ ‬تدعم‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬وتيسّر‭ ‬عمليات‭ ‬التمويل‭ ‬المستدام‭. ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬يعزز‭ ‬تنافسية‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭.‬

رابعا‭: ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬والشراكات‭ ‬الأكاديمية

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تمثل‭ ‬السياحة‭ ‬مجالا‭ ‬واعدا‭ ‬للتعاون؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬للبحرين‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الإيطالية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬السياحة‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياحة‭ ‬الفاخرة‭ (‬Luxury Tourism‭) ‬التي‭ ‬تشتهر‭ ‬بها‭ ‬المدن‭ ‬الإيطالية‭ ‬التاريخية‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الخبرات‭ ‬المتميزة‭ ‬وتوطين‭ ‬المشاريع‭ ‬الإيطالية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بروح‭ ‬وبنكهة‭ ‬بحرينية،‭ ‬بما‭ ‬يعود‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬بالنفع،‭ ‬ويفتح‭ ‬آفاقا‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال‭ ‬البحرينيين‭ ‬لتطوير‭ ‬أعمال‭ ‬مبتكرة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬المطاعم‭ ‬والضيافة‭ ‬والخدمات‭ ‬السياحية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬تطوير‭ ‬الشراكات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الضيافة،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬تجربة‭ ‬كلية‭ ‬فاتيل‭ ‬للضيافة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ (‬Vatel Bahrain‭) ‬التي‭ ‬تخرّج‭ ‬كوادر‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭. ‬ويعزز‭ ‬ذلك‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬بين‭ ‬الشعبين،‭ ‬ويدعم‭ ‬طموح‭ ‬البحرين‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬وجهة‭ ‬سياحية‭ ‬رائدة‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العلاقات‭ ‬البحرينية‭ ‬الإيطالية‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬التعاون‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬تستجيب‭ ‬لمتطلبات‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭. ‬ويأتي‭ ‬إدماج‭ ‬موضوعات‭ ‬مثل‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المالية،‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬المستقبلي‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬المسارات‭ ‬لتعزيز‭ ‬قدرتهما‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬العصر‭ ‬واغتنام‭ ‬الفرص‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭. ‬وبذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬للبحرين‭ ‬أن‭ ‬ترسخ‭ ‬مكانتها‭ ‬كبوابة‭ ‬للخليج،‭ ‬فيما‭ ‬تمنح‭ ‬إيطاليا‭ ‬منفذا‭ ‬أكثر‭ ‬عمقا‭ ‬نحو‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬2030،‭ ‬ويؤسس‭ ‬لشراكة‭ ‬نموذجية‭ ‬تعكس‭ ‬التوجه‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬ربط‭ ‬الابتكار‭ ‬بريادة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

 

‭*‬أكاديمي‭ ‬بحريني