حين تُحاكم النوايا.. القاضي بين حسن النية والقصد الجنائي
| د. أحمد فريد
في قاعة المحكمة، حيث تختلط الأنفاس بالترقب، وتُسدل الستائر الثقيلة على لحظة المصير، لا تُوزن الأفعال وحدها بل تُوزن النوايا، فالجريمة ليست جسداً بلا روح، وإنما روحها هي الإرادة الآثمة التي تدفع صاحبها إلى اقتراف الفعل، ولهذا فإن القانون لا يحاسب الإنسان على مجرد ما بدر من يديه، بل على ما انطوى عليه قلبه وعقله من قصد جنائي.
القصد الجنائي هو الركن المعنوي لكل جريمة، هو الشعلة التي تُشعل الفعل وتحوّله من خطأ عارض إلى عدوان يستوجب العقاب، من دون هذا القصد ينهار البناء الجنائي للجريمة، فلا تقوم مسؤولية ولا تستحق عقوبة، فإذا وقف متهم أمام القاضي وقد أثقله الاتهام، لكنه تصرف وهو يظن أنه على صواب أو يعتقد أنه يمارس حقاً مشروعاً، فإن حسن النية هنا يقف حاجزاً يحول بينه وبين الإدانة، لأنه أسقط الركن الذي لا غنى عنه لقيام الجريمة.
وهنا يظهر دور القاضي، لا كآلة جامدة تنطق بالنصوص، بل كعين فاحصة وبصيرة نافذة تتجاوز ظاهر الأوراق، فهو يغوص في بواطن الوقائع ليستبين إن كان المتهم قد قصد الشر عمداً، أم أن تصرفه جاء بعفوية وصفاء نية، وقد دلَّت أحكام محكمة النقض على ذلك في أكثر من موضع، فأكدت أن القصد الجنائي في جريمة التبديد لا يتحقق بمجرد الامتناع عن الرد، بل يجب أن يثبت أن الحائز قصد تملك الشيء وحرمان صاحبه منه، وفي قضايا إحراز المخدرات، ميّزت المحاكم بين من يحوز المادة وهو يجهل حقيقتها، وبين من يحوزها عن علم وإرادة، لتقرر أن حسن النية قد ينسف الجريمة من أساسها.
لكن لا بد من التفرقة بين الجهل بالقانون وحسن النية، فالجهل بالقانون لا يعفي أحداً من العقاب، لأن النصوص مفترَض فيها العلانية ومعرفة الكافة، ولا يجوز لمتهم أن يتذرع بعدم علمه بها لينجو من المسؤولية، وإلا انهارت هيبة القانون وضاع سلطان النصوص، أما حسن النية فهو شيء مختلف، لأنه لا يقوم على إنكار وجود النص أو الجهل به، بل يقوم على اعتقاد صادق بأن التصرف مشروع أو أن الفعل لا ينطوي على سوء قصد، الجهل بالقانون عذر مردود، أما حسن النية فهو قرينة تقديرية يستخلصها القاضي من ملابسات الدعوى وظروفها، قد تنفي القصد الجنائي أو تخفف العقوبة.
ولعل المشهد الأبرز الذي يُجسد هذه المعاني ما شهدته إحدى ساحات الجنايات حين وقف شاب متهم بالتبديد أمام القاضي، بينما كانت عيون الناس تترقب كلمته الأخيرة، كان الشاب قد سلّم صديقاً له أمانة ثم تأخر في ردها، فاتهمه بالخيانة، لكن القاضي بعد أن أنصت بعناية واستعرض سلوكه وملابسات علاقتهما، تبين له أنه لم يقصد التملك ولا الإضرار، وإنما عجز عن الرد في الموعد لظروف طارئة، وفي لحظة فارقة دوّى الحكم بالبراءة، لا لأن النصوص غابت، بل لأن حسن النية انتزع المتهم من دائرة الجريمة إلى رحابة العدالة.
إن عمل القاضي هنا هو عمل فلسفي بامتياز، لأنه لا يكتفي بتطبيق القانون بحرفيته، بل يسعى إلى روح العدالة، فيميز بين القلب الأبيض الذي زلت قدمه، والنفس السوداء التي تعمدت الشر، فالعدالة لا تعني العقاب دائماً، وإنما تعني أولاً أن يوضع كل إنسان في موضعه الحق : مجرم يُعاقب، أو بريء يُنصف.
فيا أيها القضاة، إنكم لستم حُراس نصوص فحسب، بل أنتم حُراس الضمائر والأقدار، أنتم الذين ترفعون سيوف القانون بيد، وتفتحون أبواب الرحمة باليد الأخرى، فلا تتركوا حسن النية يذوب في زحام الأوراق، ولا تجعلوا براءة القلوب تذبح تحت وطأة الإجراءات، إن العدالة التي لا تفرق بين قصد شرير وزلة بريء ليست عدالة، وإنما قسوة تتخفى في ثوب القانون، ولتعلم الدنيا أن قاعات المحاكم ليست مقابر للأرواح، بل ساحات يُبعث فيها الحق حيّاً، ويُكتب فيها أن البراءة لا تُشترى ولا تُمنح، وإنما تُستمد من نور النية وصفاء القصد.