الحياة الرقمية والتفكك الأسري

| نعمات مدحت

خسرت "الطبلية" وتربيزة السفرة التقليدية الرهان الكبير، فازت الحياة الرقمية عليها بالنقاط الحاسمة، بالقاضية الفنية من أول جولة، فجأة ومن دون مقدمات وجدت العائلة ولمتها، البيت وجدرانه وأهله وتماسكهم خارج معادلة البقاء التقليدي، فقدنا الالتزام بمواعيد الإفطار والغداء والعشاء، نادرًا ما تتجمع الأسرة الواحدة على مائدة غذاء واحدة، وبات مستحيلًا أن يلتزم رب البيت بموعد محدد حتى يلتقي أهله وأقاربه وأصدقائه، الناس يلهثون خلف لقمة العيش، وبات من المعجزات أن يترك رب البيت عمل إضافي من أجل وجبة لذيذة مع الأسرة، وأصبح لزامًا عليه أن يكدح طول النهار ويخسر جزءًا من الليل في سبيل تغطية نفقات عائلته الحياتية، ومصروفات أبناءه المتزايدة علي التعليم والدروس والمجموعات التلقينية، نجحت التكنولوجيا في اختطاف أبنائنا وسط جلسة عائلية لا تتكرر كثيرًا حيث كل طفل أو كل شاب أو شابة منهمكين وغاطسين دون رحمة في هواتفهم النقالة، أو أي حاسوب صغير، ولا يكترثون بمن حولهم، فتفقد اللمة رونقها القديم، وتجمعها الحميم، وترابطها السليم، العالم تغير إلى الأسوأ والدنيا أصبحت غير الدنيا، والحاجة حتى إلى السؤال ولو هاتفيًا عن بعضنا البعض أصبح مفتقدًا للهفة، للعاطفة الجياشة بين الأخوة والأخوات، وأصبح التفاهم بين أفراد العائلة الواحدة مريضًا بسوء الفهم والتلكؤ عند الاتصال والبرود العاطفي إذا تم اللقاء، من هنا كان لابد لي أن اعيد البحث في شكل الأسرة قبل وبعد الأنترنت، قبل وبعد السمارت فون، وقبل وبعد هيمنة جوجل والذكاء الاصطناعي على دنيًا "المانيوال" الخالدة. 

حياتنا الرقمية أصبحت رقمًا في حياة، بكم ستحصل على كذا وكذا، كيف حصلت علي منحتك الدراسية "في أي سنة أنت" وأي تخصص تسعى للانضمام إليه، هذه الملابس رائعة، بكم اشتريتها، وكم من الوقت استغرق الشوبنج هذا الأسبوع؟ أسئلة رقمية في اجتماعات حضورية، وحياة افتراضية تقتحم علينا حياتنا التقليدية، حتي الاحتفاء العائلي بمولد النبي، وذكريات الصحابة والأئمة، ومقولاتهم ومعجزاتهم على مر الأزمنة والعصور، كل ذلك ذهب أو يكاد يذهب أدراج الرياح، إذ لم ننتبه أننا علينا حق، وأنه لا يدخل الجنة قاطع رحم، وأن المحفزات للقطيعة الإنسانية مع الماضي ومع التراث أصبحت بمثابة الكارثة الوجودية التي فرغت المجتمع من عاداته وتقاليده، من تسامحه وتراحمه ووحدته العضوية المتينة، لا خلاف في أن التعامل مع التكنولوجيا الفارقة أصبح يمثل القاسم المشترك الأعظم في عالمنا العربي حاليًا، وأصبحت الحاجة إلى عالم المعرفة الرقمية بمثابة الحصان الالكتروني الذي سينطلق بالعربة التي تستقلنا، أو سفينة نوح التي ستنقذنا من عالم الهلاك العظيم، لكن كيف تعود إلى لمة العيلة، إلى مائدة طعام واحدة، إلى حفل عقيقة واجبة بعد وعد حق من الأمل بالشفاء، أو النجاة، أو الخروج من محنة، أو تجاوزها بإذن الله؟ الأسئلة كثيرة، ولكن الواقع المعقد الذي يصعب تفكيكه والأسرة المفككة التي يستحيل تجميعها، تحتاج منا إقرارات وحكومات، أشخاصًا ومؤسسات، جمعيات أهلية ونقابات وتجمعات نخبوية، كل هؤلاء مدعوون إلى مائدة مستديرة تجمعنا حني نتجمع، وتضع لنا توصياتها حتى لا تضيع.