أرامكو في اليوم الوطني السعودي عزّنا برؤيتنا، بطموحنا، بأصالتنا، بطبعنا

| د.محمد الزكري

في‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بتاريخ‭ ‬23‭ ‬سبتمبر،‭ ‬تنتفض‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬احتفال‭ ‬ينبض‭ ‬بالفخر،‭ ‬إحياءً‭ ‬لذكرى‭ ‬توحيد‭ ‬المملكة‭ ‬عام‭ ‬1932،‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬الملك‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬آل‭ ‬سعود،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬ترفع‭ ‬شعار‭ ‬الاحتفال،‭ ‬تبرز‭ ‬أرامكو‭ ‬السعودية‭ ‬—‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬احتفالاتها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬رمزية‭ ‬تربطها‭ ‬بتاريخ‭ ‬نشأة‭ ‬السعودية‭ ‬الحديثة‭.‬

تعود‭ ‬جذور‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أرامكو‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬4‭ ‬مارس‭ ‬1938،‭ ‬عندما‭ ‬اندفع‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬بئر‭ ‬الدمام‭ ‬رقم‭ ‬7،‭ ‬المعروف‭ ‬بـ”بئر‭ ‬الخير”‭ (‬Prosperity Well‭). ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬تغير‭ ‬وجه‭ ‬المملكة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬كان‭ ‬البئر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬نفط؛‭ ‬كان‭ ‬بداية‭ ‬رحلة‭ ‬السعودية‭ ‬نحو‭ ‬العصر‭ ‬الصناعي‭ ‬الحديث‭. ‬ظل‭ ‬البئر‭ ‬يعمل‭ ‬حتى‭ ‬إغلاقه‭ ‬عام‭ ‬1982،‭ ‬واليوم‭ ‬يقف‭ ‬كمعلم‭ ‬تاريخي‭ ‬ضمن‭ ‬متحف‭ ‬أرامكو،‭ ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬ولادة‭ ‬اقتصاد‭ ‬جديد‭ ‬وازدهار‭ ‬مستمر‭.‬

من‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭: ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬أرامكو‭ ‬بدورها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬غاصت‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬المجتمع‭ ‬السعودي‭. ‬في‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬صدر‭ ‬العدد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬“القافلة”‭ (‬qafilah.com‭)‬،‭ ‬لتصبح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المجلات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬وكما‭ ‬يوضح‭ ‬الباحث‭ ‬محمد‭ ‬العُصَيمي،‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬للقافلة‭ ‬ومحررا‭ ‬رئيسا‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬إثراء،‭ ‬فإن‭ ‬المجلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬إصدار‭ ‬داخلي،‭ ‬بل‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬متكامل‭ ‬يعمّق‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬ويفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر‭ ‬والتاريخ‭. ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬جسدت‭ ‬القافلة‭ ‬التزام‭ ‬أرامكو‭ ‬بخلق‭ ‬عمق‭ ‬ثقافي‭ ‬يوازي‭ ‬عمق‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.

احتفالات‭ ‬بالثقافة‭ ‬والتراث‭ ‬والابتكار‭ ‬–‭ ‬رؤية‭ ‬أنثروبولوجية

بقيادة‭ ‬رؤية‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان،‭ ‬يمضي‭ ‬الوطن‭ ‬نحو‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الوطني،‭ ‬تتحول‭ ‬فضاءات‭ ‬مجتمع‭ ‬أرامكو‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬سياحي‭ ‬حي‭ ‬للهوية‭ ‬الجماعية،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬كل‭ ‬صوت،‭ ‬كل‭ ‬حركة،‭ ‬وكل‭ ‬ضوء‭ ‬لغةً‭ ‬للحياة‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬ووطنه‭. ‬المعارض‭ ‬والعروض‭ ‬الثقافية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الترفيه؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬طقوس‭ ‬حضارية‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬إذ‭ ‬يتلاقى‭ ‬صوت‭ ‬الموسيقى‭ ‬التقليدية‭ ‬مع‭ ‬الرقصات‭ ‬الفلكلورية‭ ‬والحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬لتعيد‭ ‬صياغة‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬المعاصر‭.‬

الأنشطة‭ ‬العائلية‭ ‬تمثل‭ ‬مختبرًا‭ ‬للتواصل‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬حيث‭ ‬يصنع‭ ‬الأطفال‭ ‬أعمالهم‭ ‬الفنية‭ ‬كإعادة‭ ‬تفسير‭ ‬للتراث،‭ ‬بينما‭ ‬تشتبك‭ ‬أيدي‭ ‬العائلات‭ ‬في‭ ‬الورش‭ ‬التفاعلية‭ ‬لتخلق‭ ‬حوارًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة،‭ ‬بين‭ ‬الفعل‭ ‬الفني‭ ‬والمعنى‭ ‬الاجتماعي‭.‬

أما‭ ‬الفن‭ ‬والمعمار،‭ ‬فيصبحان‭ ‬أداة‭ ‬فلسفية‭ ‬لرؤية‭ ‬الوطن‭: ‬المباني‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬لوحات‭ ‬ضوئية،‭ ‬وعروض‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد‭ ‬تحيل‭ ‬الضوء‭ ‬إلى‭ ‬سرد‭ ‬بصري‭ ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتضع‭ ‬الناظر‭ ‬أمام‭ ‬تساؤل‭ ‬وجودي‭ ‬حول‭ ‬المكان،‭ ‬الزمن‭ ‬والانتماء‭.‬

الحملات‭ ‬الرقمية،‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬الافتراضي‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬افتراضية‭ ‬عالمية،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الاحتفال‭ ‬تجربة‭ ‬تواصلية‭ ‬كونية‭.‬

على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬كانت‭ ‬معارض‭ ‬مثل‭ ‬“السعودية‭ ‬عبر‭ ‬الزمن”‭ ‬والوثائقية‭ ‬والأفلام‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬تنتهجا‭ ‬أرامكو‭ ‬جسورًا‭ ‬سياحية‭ ‬ومعرفية‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬والحاضر،‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬محلي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬عالمي‭. ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فعاليات،‭ ‬بل‭ ‬عمليات‭ ‬أنثروبولوجية‭ ‬حيّة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الثقافي،‭ ‬وتعكس‭ ‬الدور‭ ‬المستمر‭ ‬للشركة‭ ‬كفاعل‭ ‬حضاري‭ ‬يحفظ‭ ‬التراث‭ ‬ويصنع‭ ‬المستقبل‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬احتفالات‭ ‬أرامكو‭ ‬تجربة‭ ‬فريدة؟

“عندما‭ ‬يقرر‭ ‬السعوديون‭ ‬والبحرينيون‭ ‬والخليجيون‭ ‬والوافدون‭ ‬والزائرون‭ ‬أن‭ ‬يرفعوا‭ ‬قدامهم‭ ‬نحو‭ ‬قلب‭ ‬أرامكو‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الوطني،‭ ‬فإنهم‭ ‬لا‭ ‬يأتون‭ ‬لمجرد‭ ‬حضور‭ ‬حدث؛‭ ‬بل‭ ‬ليكونوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نبض‭ ‬جماعي‭ ‬يربطهم‭ ‬بجذور‭ ‬وهوية‭ ‬وطن‭. ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬مع‭ ‬الزائرين‭ ‬يشاركونك‭ ‬المكان‭ ‬واللحظة،‭ ‬فتشعر‭ ‬أن‭ ‬الفرح‭ ‬يشترك‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬قلب‭ ‬سعودي‭ ‬أو‭ ‬بحريني‭ ‬أو‭ ‬خليجي،‭ ‬وأنك‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة‭.‬

في‭ ‬أروقة‭ ‬الاحتفالات،‭ ‬يلتقي‭ ‬التراث‭ ‬بالابتكار‭. ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬الرقصات‭ ‬الفلكلورية‭ ‬والألحان‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬تتلاقى‭ ‬مع‭ ‬عروض‭ ‬ضوئية‭ ‬حديثة‭ ‬وتقنيات‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد،‭ ‬لتشعر‭ ‬أن‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬والحلم‭ ‬المستقبلي‭ ‬يتنفسون‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭.‬

أرامكو‭ ‬تمنحك‭ ‬أيضًا‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬العالم‭: ‬كل‭ ‬شعور‭ ‬فخر،‭ ‬كل‭ ‬ابتسامة،‭ ‬وكل‭ ‬مشاركة‭ ‬تترجم‭ ‬إلى‭ ‬رواية‭ ‬عالمية‭ ‬للهوية‭ ‬السعودية‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حضورك،‭ ‬تصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الثقافي‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬العالم‭ ‬روح‭ ‬المملكة‭ ‬الحية‭.‬

أما‭ ‬مركز‭ ‬إثراء،‭ ‬فهو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مكان؛‭ ‬إنه‭ ‬منارة‭ ‬ثقافية‭ ‬تشع‭ ‬المعرفة‭ ‬والفن‭ ‬والفكر‭. ‬هنا‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬محاطًا‭ ‬بالعقول‭ ‬المبدعة،‭ ‬بالمعارض‭ ‬والورش،‭ ‬وبعروض‭ ‬تحاكي‭ ‬كل‭ ‬شعورك‭ ‬بالانتماء‭ ‬والفخر‭. ‬إنه‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬لك‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬تاريخك،‭ ‬مجتمعك،‭ ‬وإبداعك‭ ‬الشخصي‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬متكاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الفرح‭ ‬التقليدي‭.‬

أرامكو‭: ‬صناعة‭ ‬الإنسان‭ ‬والهوية‭ ‬والزمان

أرامكو‭ ‬صنّاعة‭! ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بصناعة‭ ‬النفط؛‭ ‬فهي‭ ‬تتفاعل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬محتويات‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬والإنسان‭. ‬من‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬حيث‭ ‬ينبعث‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬السطح،‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن،‭ ‬من‭ ‬مدارس‭ ‬التعليم‭ ‬إلى‭ ‬المتاحف‭ ‬والمعارض،‭ ‬من‭ ‬حفظ‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬الابتكار،‭ ‬تظل‭ ‬أرامكو‭ ‬عنصرًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية‭.‬

بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬أرامكو‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شركة‭ ‬نفط؛‭ ‬إنها‭ ‬ظاهرة‭ ‬أنثروبولوجية‭ ‬مستمرة،‭ ‬حيث‭ ‬تتلاقى‭ ‬الطاقة‭ ‬والثقافة‭ ‬والإنسان،‭ ‬لتروي‭ ‬قصة‭ ‬المملكة‭ ‬المستمرة،‭ ‬المتجددة،‭ ‬والحية،‭ ‬في‭ ‬تفاعل‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬والمستقبل‭.‬

 

‭* ‬اختصاصي‭ ‬تراث‭ ‬وسياحة‭ ‬سعودي