باص المكسيك!
| د. جاسم المحاري
تترك الرواسب الثقافية تأثيرات واضحة على السلوك العنيف وسط بيئات متنوعة تتشارك في تحديد الشخصية التي قد يكون بعضها، أي البيئات، حَدَاثِيا في احترام قناعات منتسبيها، صغارًا أو كبارًا، وتسمح بمناقشة أفكارهم دون قمع تعسفي أو إكراه تحقيري؛ ما يجعلهم أقل عرضة لترسيخ السلوك القهري العنيف، فيما تُورّث بيئات أخرى فيهم الإكراه المشحون بالخرافات التوهمية والأفكار البالية والمعتقدات الزائفة، التي هي في أدنى سقفها تُحيّدهم عن فرص التعبير بالآراء السديدة أو الإفصاح عن القناعات المُسوّغة التي تُطوّعها مصالح الثقافة التقليدية السائدة، وسط بيئات تناسلت الامتعاض والصرامة والقسوة والحرمان الذي يَحول دون تنفيس الكربات ويمنح كبت المشاعر، والتي استجلبت خلال السنوات الأخيرة أمراضًا نفسية وعاهات ذهنية وتخيلات واهية؛ حتى هيمنَ طُغيان العنف الأسري والمجتمعي والمدرسي والمؤسسي عليهم بمتنوع التلاوين النفسية والجسدية والرمزية واللفظية والجنسية وغيرها، الذي اكتظّت به خصوصيات التّجمعات البشرية المختلفة في بقاع هذا العالم الفسيح.
وتظلّ سهام العنف تتراشق بين الصغار أنفسهم إذا ما أعادت دوائر العنف إنتاج نفسها حين ينشؤون في محيط مجتمعات تخلفية متقهقرة، وهو خِلاف غرس حبّ الذات وتنمية روح الثقة بالنفس كي يكونوا أكثر جرأة في تواصلهم الإنساني، وأعمق تحرّرًا في تعاملاتهم الاجتماعية التي يشعرون عندها بالدفء الأسري والعطف المجتمعي إبّان انتشار العلوم الحديثة والمعارف المتجددة، التي غيّرت تواصلهم وتعاملاتهم بسبب دائرة “الأميّة العاطفية”، وما تمخض عنها من طابع “انفجاري” في بحور العداونية والعدائية والعنادية وقتما يفقدون سيطرتهم على ذواتهم في محاولاتهم اليائسة لجذب الانتباه وتلبية الرغبات وإشباع الشهوات.
بعد تجسيدهم علاقة القهر المنهكة والرضوخ المحبط والتبعية الكارهة التي يلجمها المنهاج التربوي المحكم والسياق التعليمي القويم في أفنية البيوت وساحات المدارس وقاعات الجامعات وصالات النوادي وإلخ، عبر رزمة متكاملة من تقنيات التهدئة الحيّة والتعاطف الخالص.
نافلة:
من العبارات الجميلة المحفورة في الذاكرة ويمكن استحضارها بالمناسبة، ما ابْتُكِرَ على جانبي جسم حافلة مدرسة، من أحد مبدعي التصميم المكسيكيين، وهي تتجول بين أهرامات “تيمبلومايور” ومتاحف وقصر الفنون وسط العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي التي تروق للزوار بصيفها المعتدل وبرودة شتائها، حيث طلي نصف الحافلة الأول باللون الأصفر إشارة إلى أنّها حافلة نقل طلاب مدارس، والنصف الآخر مدبوغ باللون الرصاصي للدلالة على أنّها حافلة نقل سجناء، بينما دُوِنتْ - وهو الأمر المذهل - على جانبيها عبارة عظيمة صالحة مخلدة لكلّ زمان ومكان: ينتهي العنف حين يبدأ التعليم.
*كاتب وأكاديمي بحريني