روح القانون

أزمة مرورية تلوح في الأفق

| زهير توفيقي

الأرقام‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬أخيرا‭ ‬جريدة‭ ‬“البلاد”‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقريرها‭ ‬عن‭ ‬واردات‭ ‬السيارات‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬قليلا،‭ ‬وتحتاج‭ ‬من‭ ‬المعنيين‭ ‬وضع‭ ‬خريطة‭ ‬طريق‭ ‬واضحة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الوضع‭ ‬المروري‭ ‬في‭ ‬شوارعنا‭. ‬يقول‭ ‬التقرير‭ ‬إنه‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الثمانية‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬وحدها‭ ‬دخلت‭ ‬البلاد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬31‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭ ‬جديدة،‭ ‬بزيادة‭ ‬سنوية‭ ‬تجاوزت‭ ‬17‭ %! ‬وفي‭ ‬أغسطس‭ ‬فقط‭ ‬ارتفع‭ ‬العدد‭ ‬بنسبة‭ ‬27‭ % ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬الماضي‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬نسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬خانقة‭ ‬تتفاقم‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا،‭ ‬أزمة‭ ‬كتبنا‭ ‬وحذرنا‭ ‬منها‭ ‬مرارًا‭ ‬وتكرارًا،‭ ‬فالمشهد‭ ‬اليوم‭ ‬واضح‭ ‬للعيان،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الشوارع‭ ‬أصبحت‭ ‬مكتظة‭ ‬بزحام‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبذل‭ ‬الحكومة‭ ‬جهودًا‭ ‬جبارة‭ ‬مشكورة‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬الجسور‭ ‬وتوسعة‭ ‬الطرق‭ ‬وتنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬المرورية‭ ‬الكبرى،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬الطوفان‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬البلاد‭ ‬سنويًا؛‭ ‬فالمشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أعداد‭ ‬المركبات‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬تضخمها‭ ‬المتواصل‭.‬

وخطورة‭ ‬الوضع‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الزحام‭ ‬وتعطل‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬أعمالهم‭ ‬ومواعيدهم،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬أبعاد‭ ‬اجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬تمس‭ ‬حياة‭ ‬الجميع‭. ‬فالتوتر‭ ‬والعصبية‭ ‬اللذان‭ ‬يولدهما‭ ‬الجلوس‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الازدحام‭ ‬باتا‭ ‬مشهدًا‭ ‬يوميًا‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الأسري‭ ‬والعلاقات‭ ‬الإنسانية‭. ‬والانخفاض‭ ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬نتيجة‭ ‬الوقت‭ ‬الضائع‭ ‬والطاقة‭ ‬المستنزفة‭ ‬أصبح‭ ‬عبئًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬والأسرة‭ ‬البحرينية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬وقتها‭ ‬لقضائه‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نشاطات‭ ‬نافعة‭ ‬بعدما‭ ‬يُهدر‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الطرقات،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تزايد‭ ‬معدلات‭ ‬التلوث‭ ‬البيئي‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬صحية‭ ‬مقلقة‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭. 

لقد‭ ‬أكدنا‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬ونكرر‭ ‬اليوم‭ ‬بإلحاح‭ ‬أكبر،‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬المشهد‭ ‬المروري‭ ‬برمته‭. ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬العمر‭ ‬الافتراضي‭ ‬للمركبات‭ ‬لتقليص‭ ‬أعداد‭ ‬السيارات‭ ‬المتهالكة‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬الطرق‭ ‬بلا‭ ‬جدوى،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬مواصلات‭ ‬عامة‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬الحافلات‭ ‬الحديثة‭ ‬وخطوط‭ ‬المترو‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬خيارًا‭ ‬عمليًا‭ ‬يقلل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬السيارة‭ ‬الخاصة‭.‬

وعندما‭ ‬نضع‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬الأوسع،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬أعمق‭ ‬مما‭ ‬نتصور؛‭ ‬فبحسب‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المركبات‭ ‬المسجَّلة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬2024‭ ‬نحو‭ ‬806‭,‬624‭ ‬مركبة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يقدَّر‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2025‭ ‬بحوالي‭ ‬1‭,‬643‭,‬332‭ ‬نسمة‭ ‬فقط‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مركبة‭ ‬واحدة‭ ‬تقريبًا‭ ‬لكل‭ ‬شخصين،‭ ‬وهو‭ ‬معدل‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي‭ ‬ويضع‭ ‬ضغطًا‭ ‬هائلًا‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬المرورية‭. ‬

ألا‭ ‬تعتقدون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬تحدٍّ‭ ‬مروري‭.‬

الخلاصة‭.. ‬نريد‭ ‬حلا‭ ‬جذريا‭.‬

*كاتب وإعلامي بحريني