الهجرة الاقتصادية رافد أساسي في العلاقات بين الخليج والدول العربية

| رجب قاسم

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الهجرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬شكّلت‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬رافدًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الخليج‭ ‬محطة‭ ‬جذب‭ ‬للكفاءات‭ ‬والمهارات‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬بدور‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وتطوير‭ ‬البنى‭ ‬التحتية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬التجارب‭ ‬الإدارية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والقانونية‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬تغيّر‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ‭ ‬الهجرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العكسية،‭ ‬أي‭ ‬عودة‭ ‬آلاف‭ ‬الكفاءات‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬أوطانها‭ ‬الأصلية،‭ ‬نتيجة‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتشريعات‭ ‬الجديدة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬سياسات‭ ‬التوطين‭.‬

جذور‭ ‬الظاهرة

منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وجهة‭ ‬رئيسية‭ ‬للعقول‭ ‬العربية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬أو‭ ‬لبنان‭ ‬أو‭ ‬السودان‭ ‬أو‭ ‬الأردن‭ ‬أو‭ ‬تونس‭ ‬أو‭ ‬غيرها،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬حاجة‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬متعددة‭ ‬وقد‭ ‬ساعدت‭ ‬الطفرة‭ ‬النفطية‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬وظائف‭ ‬واسعة‭ ‬وبيئة‭ ‬خصبة‭ ‬جذبت‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬والمهندسين‭ ‬وأساتذة‭ ‬الجامعات‭ ‬والمحامين‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬بدأت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تنتهج‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬في‭ ‬توطين‭ ‬الوظائف،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬رغبة‭ ‬سيادية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬للمواطنين‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬هذه‭ ‬السياسات،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مشروعة‭ ‬ومفهومة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أفرزت‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية‭ ‬تتعلق‭ ‬بخروج‭ ‬أعداد‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وعودتها‭ ‬المفاجئة‭ ‬إلى‭ ‬أوطانها‭.‬

التشريعات‭ ‬وسياسات‭ ‬التوطين

تجربة‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬كانت‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إذ‭ ‬صدر‭ ‬قانون‭ ‬المحاماة‭ ‬العماني‭ ‬الجديد‭ ‬رقم‭ ‬41‭ ‬لسنة‭ ‬2024،‭ ‬الذي‭ ‬قصر‭ ‬ممارسة‭ ‬مهنة‭ ‬المحاماة‭ ‬على‭ ‬العمانيين،‭ ‬ومنع‭ ‬تجديد‭ ‬تراخيص‭ ‬المحامين‭ ‬الوافدين‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬اعتُبرت‭ ‬نموذجًا‭ ‬على‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭ ‬في‭ ‬“تعمين”‭ ‬المهنة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬ارتداد‭ ‬اقتصادي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬خسارة‭ ‬السوق‭ ‬العماني‭ ‬لشبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الأجنبية‭.‬

الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬تشهده‭ ‬السعودية‭ ‬عبر‭ ‬برنامج‭ ‬“نطاقات”،‭ ‬والإمارات‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬“التوطين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص”،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬إلزام‭ ‬الشركات‭ ‬بنسب‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬المواطنين‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التشريعات‭ ‬تحمل‭ ‬بعدًا‭ ‬سياديًا‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيه،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬تفرض‭ ‬سؤالًا‭ ‬اقتصاديًا‭: ‬هل‭ ‬تمتلك‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬الكفاءات‭ ‬الكافية‭ ‬لتعويض‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ؟

التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الخليج

إن‭ ‬عودة‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬إلى‭ ‬أوطانها‭ ‬يعني‭ ‬أولًا‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬التنوع‭ ‬الوظيفي‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والقانون،‭ ‬حيث‭ ‬استمر‭ ‬الوافدون‭ ‬لعقود‭ ‬يشكّلون‭ ‬عصب‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬خروج‭ ‬الخبرات‭ ‬قد‭ ‬يبطئ‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة،‭ ‬ويضع‭ ‬عبئًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬التدريب‭ ‬المحلية‭ ‬لتأهيل‭ ‬بدائل‭ ‬وطنية‭ ‬بالسرعة‭ ‬المطلوبة‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬إيجابًا‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬نسب‭ ‬البطالة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬الخليجيين،‭ ‬إذ‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬فرصًا‭ ‬وظيفية‭ ‬كانت‭ ‬تستحوذ‭ ‬عليها‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬سد‭ ‬الفجوة‭ ‬بالجودة‭ ‬والكفاءة‭ ‬نفسها،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬متسارع‭ ‬يفرض‭ ‬مستويات‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التنافسية‭.‬

أثر‭ ‬العودة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأم

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأوطان‭ ‬العائدين‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬مصر‭ ‬وتونس‭ ‬والأردن‭ ‬ولبنان‭ ‬–‭ ‬فالقضية‭ ‬تبدو‭ ‬مزدوجة‭ ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬يشكّل‭ ‬العائدون‭ ‬رصيدًا‭ ‬بشريًا‭ ‬مهمًا‭ ‬بما‭ ‬يحملونه‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬وتجارب‭ ‬متراكمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يثير‭ ‬تكدّس‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬عمل‭ ‬تعاني‭ ‬أصلًا‭ ‬من‭ ‬ضيق‭ ‬الفرص‭ ‬ومحدودية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬مخاطر‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬كبيرة‭.‬

في‭ ‬مصر‭ ‬مثلًا،‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬بطالة‭ ‬متزايدة‭ ‬بين‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات،‭ ‬فإن‭ ‬عودة‭ ‬آلاف‭ ‬الأطباء‭ ‬والمهندسين‭ ‬والمحامين‭ ‬قد‭ ‬تضغط‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬المحلي‭ ‬وفي‭ ‬لبنان،‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة،‭ ‬فإن‭ ‬عودة‭ ‬المهاجرين‭ ‬تعني‭ ‬ببساطة‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬البطالة‭ ‬المقنّعة،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ترافقها‭ ‬خطط‭ ‬حكومية‭ ‬لاحتواء‭ ‬هؤلاء‭ ‬وإعادة‭ ‬توظيفهم‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬تنموية‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬إنتاجية‭.‬

مقارنة‭ ‬مع‭ ‬تجارب‭ ‬دولية

ليست‭ ‬الهجرة‭ ‬العكسية‭ ‬ظاهرة‭ ‬عربية‭ ‬فحسب‭ ‬فقد‭ ‬شهدتها‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬والفلبين‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬لكن‭ ‬الفارق‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وضعت‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وطنية‭ ‬لاحتواء‭ ‬العائدين،‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬لإعادة‭ ‬دمجهم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وتشجيعهم‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬شركات‭ ‬ناشئة،‭ ‬ومنحهم‭ ‬حوافز‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬حوّلت‭ ‬النزيف‭ ‬البشري‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬العربية،‭ ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تستوعب‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات،‭ ‬إذ‭ ‬يغلب‭ ‬الطابع‭ ‬العشوائي،‭ ‬وتظل‭ ‬الحلول‭ ‬مرهونة‭ ‬بالمبادرات‭ ‬الفردية‭ ‬للعائدين‭ ‬أنفسهم‭.‬

البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي

لا‭ ‬ينبغي‭ ‬إغفال‭ ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬العكسية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مسألة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬أبعاد‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬فالعائدون‭ ‬غالبًا‭ ‬يواجهون‭ ‬صدمة‭ ‬إعادة‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬الأصلية‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الغياب‭ ‬وقد‭ ‬يواجهون‭ ‬تحديات‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الأجور،‭ ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬اعتادوا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إحباطات‭ ‬شخصية‭ ‬وانعكاسات‭ ‬أسرية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تستوجب‭ ‬معالجة‭ ‬متوازنة‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية

من‭ ‬الزاوية‭ ‬القانونية،‭ ‬فإن‭ ‬التوطين‭ ‬حق‭ ‬سيادي‭ ‬تمارسه‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬دساتيرها‭ ‬وقوانينها‭ ‬المنظمة‭ ‬لسوق‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬السيادة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الانغلاق،‭ ‬بل‭ ‬تستلزم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬وسط‭ ‬تراعي‭ ‬مصالح‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬ولعل‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬التشريعات‭ ‬بحيث‭ ‬تسمح‭ ‬بمرونة‭ ‬في‭ ‬المهن‭ ‬ذات‭ ‬الحساسية‭ ‬العالية،‭ ‬وتمنح‭ ‬فترات‭ ‬انتقالية‭ ‬أطول،‭ ‬أو‭ ‬صيغ‭ ‬شراكة‭ ‬بين‭ ‬الخبرات‭ ‬الوطنية‭ ‬والأجنبية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬المصدّرة‭ ‬للكفاءات‭ ‬مطالبة‭ ‬بوضع‭ ‬قوانين‭ ‬عمل‭ ‬وتشريعات‭ ‬استثمارية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬العائدين،‭ ‬عبر‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وتشجيع‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬ومنح‭ ‬حوافز‭ ‬ضريبية‭ ‬للعائدين‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭.‬

رؤية‭ ‬خاصة

إن‭ ‬نزيف‭ ‬العقول‭ ‬العائد‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬وتحديا‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭ ‬فهو‭ ‬فرصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استُثمر‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬وتحويل‭ ‬العائدين‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬إنتاجية‭ ‬تضيف‭ ‬قيمة،‭ ‬وتحدٍ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تُركت‭ ‬القضية‭ ‬بلا‭ ‬تخطيط،‭ ‬فتحولت‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬العمل‭ ‬المتخمة‭ ‬بالبطالة‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬التوطين‭ ‬مشروع‭ ‬وضروري‭ ‬لحماية‭ ‬المواطن‭ ‬الخليجي،‭ ‬لكنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تشريعات‭ ‬متدرجة‭ ‬ومرنة،‭ ‬تعي‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬السيادة‭ ‬القانونية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬تفاعل‭ ‬متزن‭ ‬بين‭ ‬التشريع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والسوق‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬سياسة‭ ‬ناجحة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬حق‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬التوطين‭ ‬وحق‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬تراكمت‭ ‬لعقود،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬النزيف‭ ‬العائد‭ ‬إلى‭ ‬نزيف‭ ‬مضاعف‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العربي‭. ‬

* مستشار مصري مقيم في عُمان