بروناي تودع الرينغيت وتعانق الدولار!

| عبدالله بوقس

في‭ ‬خطوة‭ ‬لافتة‭ ‬على‭ ‬صعيدها‭ ‬النقدي،‭ ‬قررت‭ ‬سلطنة‭ ‬بروناي‭ ‬دار‭ ‬السلام‭ ‬إنهاء‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬رينغيت‮»‬‭ ‬في‭ ‬أوراقها‭ ‬المالية‭ ‬والاكتفاء‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الدولار‭ ‬البروناوي‮»‬‭. ‬القرار‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬تفصيلاً‭ ‬فنياً‭ ‬بسيطاً،‭ ‬لكنه‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬أعمق؛‭ ‬إذ‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬هويتها‭ ‬النقدية،‭ ‬وتقديم‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬وثباتاً‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

مصطلح‭ ‬‮«‬رينغيت‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬تعبير‭ ‬متجذر‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الملايوي،‭ ‬حيث‭ ‬تعد‭ ‬بروناي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬السلطنات‭ ‬في‭ ‬أرخبيل‭ ‬الملايو‭. ‬وقد‭ ‬أُطلق‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬تاريخياً‭ ‬على‭ ‬القطع‭ ‬الفضية‭ ‬المسننة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬التجارية‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬فظل‭ ‬حيًّا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬النقدية‭ ‬لشعوب‭ ‬المنطقة‭. ‬ومع‭ ‬تشكل‭ ‬الدول‭ ‬الحديثة،‭ ‬تبنّت‭ ‬ماليزيا‭ ‬‮«‬الرينغيت‮»‬‭ ‬كعملة‭ ‬وطنية،‭ ‬فيما‭ ‬اختارت‭ ‬بروناي‭ ‬لسنوات‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬المصطلحين‭: ‬‮«‬رينغيت‭/‬‏سِن‮»‬‭ ‬بالملايوية‭ ‬و«دولار‭/‬‏سِنت‮»‬‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬لتظهر‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬أوراقها‭ ‬النقدية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أمر‭ ‬العملة‭ ‬والنقد‭ ‬لعام‭ ‬2004‮»‬‭ ‬أنهى‭ ‬هذا‭ ‬التعدد،‭ ‬مثبتًا‭ ‬‮«‬الدولار‭ ‬البروناوي‮»‬‭ ‬كوحدة‭ ‬رسمية،‭ ‬ليأتي‭ ‬القرار‭ ‬الأخير‭ ‬بمثابة‭ ‬استكمال‭ ‬لمسار‭ ‬تقنين‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬عقدين‭.‬

البعد‭ ‬القانوني‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭ ‬يتجاوز‭ ‬الشكل‭ ‬اللغوي،‭ ‬فهو‭ ‬يعكس‭ ‬سعي‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬إزالة‭ ‬الالتباس‭ ‬وتقديم‭ ‬خطاب‭ ‬نقدي‭ ‬متماسك‭ ‬يرفع‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬بالعملة،‭ ‬ويعزز‭ ‬مصداقية‭ ‬بروناي‭ ‬أمام‭ ‬شركائها‭ ‬الخارجيين‭. ‬فكما‭ ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬فإن‭ ‬اتساق‭ ‬الهوية‭ ‬النقدية‭ ‬عنصر‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬لأن‭ ‬الرموز‭ ‬الواضحة‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬الشكوك‭ ‬وتبني‭ ‬جسور‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسواق‭.‬

لكن‭ ‬التغيير‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الاسم،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أوراقا‭ ‬نقدية‭ ‬جديدة‭ ‬ستدخل‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2026‭ ‬وتشمل‭ ‬فئات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬دولار‭ ‬بروناوي‭  ‬واحد‭ (‬0.78‭ ‬دولار‭ ‬أميركي‭) ‬إلى‭ ‬500‭ ‬دولار‭ ‬بروناوي‭ (‬389‭ ‬دولار‭ ‬أميركي‭). ‬وقد‭ ‬زُوّدت‭ ‬بميزات‭ ‬أمنية‭ ‬متقدمة،‭ ‬أبرزها‭ ‬خاصية‭ (‬دومينو‭) ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لضعاف‭ ‬البصر‭ ‬التعرف‭ ‬بسهولة‭ ‬على‭ ‬الفئات‭ ‬المختلفة‭ ‬عبر‭ ‬نقاط‭ ‬بارزة‭ ‬مميزة‭ ‬لكل‭ ‬ورقة‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تحمل‭ ‬بُعداً‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬فهي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬النقدي‭ ‬ليس‭ ‬إجراءً‭ ‬تقنياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬أشمل‭ ‬للشمول‭ ‬المالي‭ ‬وإشراك‭ ‬جميع‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭.‬

تجربة‭ ‬بروناي‭ ‬توضح‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاحتياطات‭ ‬أو‭ ‬عوائد‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬وضوح‭ ‬الرموز‭ ‬النقدية‭ ‬واتساقها‭. ‬فالدولة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬رغم‭ ‬اعتمادها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تبعث‭ ‬برسالة‭ ‬ثقة‭ ‬عبر‭ ‬توحيد‭ ‬اسم‭ ‬عملتها‭ ‬وإصدار‭ ‬أوراق‭ ‬جديدة‭ ‬بخصائص‭ ‬أمنية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متطورة‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬والمستثمرين‭ ‬يقرأون‭ ‬في‭ ‬الرموز‭ ‬ما‭ ‬يتجاوز‭ ‬قيمتها‭ ‬المادية،‭ ‬ويربطونها‭ ‬بالقدرة‭ ‬المؤسسية‭ ‬على‭ ‬الانضباط‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬المعايير‭ ‬الحديثة‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬تحمل‭ ‬دروساً‭ ‬عملية‭ ‬مهمة‭: ‬فالعملة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ورق‭ ‬للتداول،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬للهوية‭ ‬ورسالة‭ ‬مزدوجة‭ ‬للداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬تُبنى‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬كما‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭.‬