في وداع أب المصرفيين
| عدنان يوسف
برحيل الأستاذ عبدالله عمار السعودي (أبو عادل) إلى رحمة الله، نكون قد فقدنا واحدًا من أعمدة القطاع المصرفي العربي، رجل قلّما يجتمع فيه الجمع بين الحكمة والبصيرة، بين الالتزام المهني والإنسانية العميقة. لقد كان المرحوم صاحب رؤية استشرافية للمؤسسات المصرفية التي كان يؤسسها ويقودها، ونؤكد هذه الصفة لأنها تعني أنه كان يقودها وفقا لاستراتيجيات طموحة تأخذ بالاعتبار ليس عوامل العائد والمخاطرة، بل وفقا لنظرة شمولية تأخذ الابعاد الاجتماعية والاقتصادية، بحيث تكون للمؤسسات التي يقودها تأثير قوي على مجتمعاتها. وهكذا كان الراحل منذ إن انطلق في تأسيس ورئاسة المصرف العربي الليبي الخارجي بالعام 1972، حيث فتح به آفاقاً واسعة لليبيا مع العالم من خلال إنشاء الفروع والمساهمات مع إدارات المؤسسات المصرفية في أوروبا، إفريقيا، أميركا اللاتينية، والوطن العربي والخليج، وكان بذلك رائداً في ترسيخ الحضور الليبي والعربي المبكر في الساحة المصرفية العالمية، متقدماً على كثير من دول العالم. كما كان الفقيد من المؤمنين بالتعاون الاقتصادي العربي وضرورة توظيف الاستثمارات العربية والفوائض النفطية في الدول العربية. لذلك بادر في العام 1980 بالتنسيق مع حكومتي دولتي الكويت والإمارات باستصدار ترخيص خاص من الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه بتأسيس المؤسسة العربية المصرفية (ABC) في البحرين برأس مال يعد ضخما آنذاك قدره مليار دولار ورأس مال مدفوع قدره 750 مليون دولار، وهي المؤسسة التي حملت بصماته منذ انطلاقتها، وجعلها، بجهوده وحكمته، إحدى أكبر المؤسسات المالية الدولية ذات الانتشار والتأثير العالميين، حاملة اسم الوطن العربي إلى مختلف دول العالم. تحت قيادته، أصبحت المؤسسة العربية المصرفية نموذجًا للمشاريع المصرفية العربية المشتركة الناجحة والتي تؤدي دورها بامتياز في تكريس التعاون المالي والاقتصادي العربي والعربي الدولي من خلال تملك بنوك وتأسيس وحدات مصرفية تابعة في العديد من الدول العربية إلى جانب أميركا اللاتينية ولندن، واشترى مصارف كاملة مثل إتلتيكو الإسباني، وبنك آسيا الدولي في هونغ كونغ.
بنفس الوقت أسس آليات عمل تُحاكي أفضل المعايير الدولية، مع الحرص الدائم على تطوير الكوادر الوطنية، وتمكينها من اكتساب الخبرات التي تُسهم في صقل مهاراتها القيادية والمهنية. وكان يعتزم تأسيس معهد للتدريب المصرفي يتبع المؤسسة لولا تأسيس معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية. وكدليل على إيمانه بالكوادر الوطنية قدم مختلف المزايا للموظفين في المؤسسة التي لم تكن سائدة بين البنوك آنذاك مثل التأمين الصحي وقروض الإسكان للموظفين وبرامج التوفير. في مطلع تسعينات القرن الماضي، نفذ بنجاح كبير تحويل المؤسسة العربية المصرفية من شركة مساهمة مقفلة تملكها ثلاث حكومات إلى شركة مساهمة عامة بمشاركة القطاع الخاص العربي والأجنبي برفع رأس المال بنسبة 25 % تعود ملكيتها للأفراد والمؤسسات، إلى جانب 75 % للحكومات الثلاث سالفة الذكر. كما يعد رحمه الله أول من أدخل التصنيف الائتماني للمؤسسات المصرفية في البحرين عندما أصر على الحصول على تصنيف ائتماني دولي للمؤسسة العربية المصرفية بتصنيف A-. وعلى الصعيد الشخصي والمهني، كانت تربطني به علاقة وثيقة قائمة على الاحترام المتبادل والتقدير العميق امتدت لمدة 35 عاما، منها 15 عاما في المؤسسة العربية المصرفية و20 عاما في مجموعة البركة المصرفية عندما شغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة المجموعة. في المؤسسة العربية المصرفية وتحت قيادته تدرجت في مختلف المناصب القيادية التي كان يوجّهني لتوليها، ومن خلالها تعلمت الكثير عن معنى القيادة الحقيقية: الصبر في مواجهة التحديات، الحزم في اتخاذ القرارات، والرحمة في التعامل مع الآخرين. كان الأستاذ عبدالله دائمًا مستمعًا حكيمًا، وموجهًا سخيًا، ومرشدًا صبورًا لكل من عمل إلى جانبه. حديثه كان مصدر إلهام، ونصائحه كانت بمثابة منارة تهديك الطريق في لحظات التعقيد والصعوبة. ثم عملت بشكل وثيق معه في مجموعة البركة المصرفية، وعملنا سوية على تعزيز مكانة المجموعة وفتح آفاق رحبة لتتبوأ مكانة عالمية مرموقة، حيث كان له الفضل الكبير في خطط توسع المجموعة جغرافيا وقطاعيا. ثم ظلت علاقتي الشخصية معه، بل كانت بالأحرى علاقة روحية امتزجت فيها كل معاني الامتنان لأفضاله علي والاحترام والتقدير لهذه الشخصية العظيمة. نستذكر الأستاذ عبدالله عمار السعودي بكل الامتنان والتقدير، شاكرين له سنوات العطاء الوفير، ومؤكدين أن إرثه سيظل مرجعًا لكل من يسعى للتميز في العمل المؤسسي والقيادة المسؤولة. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون. * رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا