دروع "البلاد"
| أسامة مهران
تقليد سنوي تم الاحتفاء بعدة نسخ منه، درع “البلاد” للمسؤولية المجتمعية للشركات، تقليد سنوي لصحافتنا حتى تستكمل رسالتها المجتمعية إلى جانب رسائلها المتنوعة في تنوير وعصرنة المجتمع. كثيرة هي الصحف التي اعترفت بهزيمتها “بلمس الأكتاف” وأحيانًا بالقاضية الفنية، وأغلقت أبوابها رافعة شعار “وكفى الله المؤمنين شر القتال”. كثيرة هي الصحف التي انسحبت بهدوء من معركة البقاء، واختارت لنفسها العمى كله من نصف العمى، وهي تردد “لا أكون” بدلاً من أن تقبل التحدي متسائلة “أكون أو لا أكون” على طريقة هاملت شكسبير أو دونه من الفلاسفة الأولين. وكثيرة هي الصحف التي لم تستطع التحليق داخل السرب أو التغريد معه لكي تعلو وتعلو وتعلو وتلامس هامات السحب، واختارت لنفسها غصنًا على شجر هالك، أو صخرة على جبل ينهار، أو موجة أعلى في عالم البحار. “البلاد” شاركت المؤسسات في همومها، وساهمت معها في تشجيعها على إدراك مسؤولياتها المجتمعية، لم تسد النصائح التلقينية لها، ولم تطالبها بالتعالي الإعلامي التقليدي المعهود، ولم تقف على أبواب مسؤوليها لتناقشهم على الفكرة وتحاول إقناعهم بها. “البلاد” أطلقت المبادرة لتلتف حولها الشركات الواعية، وتلك المدركة لأهمية خدمة المجتمع، كون هذا المجتمع الشريك الأصلي والأصيل في نجاحاتها، وكون كل فرد فيه لاعبًا أساسيًا في صيرورة الإنجازات التي حققتها، “البلاد” بدرعها الرمزي للمسؤولية المجتمعية ترسخ مفهومًا صحافيًا جديدًا ألا وهو إعادة البث عن طريق الشراكة وإحياء التراث من خلال عادات وتقاليد أمة مازالت على قيد الحياة. تاريخنا يؤكد هذه الشراكة، وتراثنا العريق يترجم ما نقوم به من محاولات لإعادة الحياة إلى عاداتنا وتقاليدنا التي حاولت “المدنية” المفرطة إزالتها من بين أنقاض الذكريات وكأنها أطلال أو مغريات لا يمكن العودة إليها بفعل قانون الفناء وسنة الخلق التي تبدأ بالشروق العظيم وتنتهي دائمًا عند الغروب. الصحافة الوطنية البحرينية الورقية أدركت هذه المسؤولية منذ سنوات بعيدة، فأخذت على عاتقها توجيه المجتمع نحو تحويل العديد من شعاراتها الناعمة النابعة من بيئتنا إلى واقع على الأرض، إلى مشاريع حياة تنبض بالمحبة والمساعدة وكرم الوفادة والتسامح والسلام. ولعل في درع “البلاد” للمسؤولية المجتمعية للشركات ما يحفز شركات أخرى على المضي قدمًا في مشاريعها الخلاقة نحو زيادة معدلات الإنفاق على خدمة المجتمع، وعلى دعم التعليم والبحث العلمي. إن الجامعات الخاصة التي رفعت الدول العظمى إلى قمة التقدم العلمي وإحداث ثورة تكنولوجية هائلة قامت على أكتاف التبرعات من الشركات الكبرى، وعلى الدعم الذي يذهب إليها من أموال المساعدات التي تخصصها الصناديق السيادية وتوجهها نحو الصناديق الخيرية. التعليم والبحث العلمي كان دائمًا حاضرًا ضمن الرسالة التنموية لهذه المؤسسات العملاقة “جنرال موتوروز”، و”بوينج”، و”مايكروسوفت، و”أبل” وغيرها، من هنا كان لابد أن نرى أهم وأكبر خمس جامعات في العالم وهي مرفرفة فوق سماوات التفوق العلمي والبحثي وتنتمي جميعها إلى القطاع الخاص، وهي “هارفارد” و”ستانفورد” و”برينستون” و”ديوك” ومعهد “إم.آي.تي” للإدارة، وكان لابد أن تلعب هذه الجامعات الدور المشترك الأعظم في وضع الولايات المتحدة الأميركية على قمة الهرم الحضاري في العالم الحديث، وجعلها متربعة على عرش القوة والفخامة والريادة على مختلف الأصعدة والمجالات. من هنا كان دور “البلاد” محوريا وأساسيا في بث روح المسؤولية في نفوس الشركات الكبرى الناجعة، وتلك الناشئة أو التي تسعى للنهوض بجانب زميلاتها الكبريات في كل شيء، الأرباح والإنتاج والأخلاق الحميدة، والمسؤولية المجتمعية وما خفي بالتأكيد أعظم.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية