الدولة الفلسطينية والموقف الإسباني
| د. أحمد بن سالم باتميرا
مملكة إسبانيا ملكا وحكومة وشعبا تستحق منا كل التحية لموقفها السياسي والإنساني، لتثبت للعالم أن الحرية والكرامة والعدالة تتطلب مصداقية، وأن الشرفاء لا يبالون بأي قرار من أحد، ولا أي تهديد، بل هم على يقين بأن نصرة المظلومين والوقوف في صف العدالة الإنسانية هو الشرف الحقيقي. وبالأمس توالت الاعترافات من بعض الدول بالدولة الفلسطينية بإعلان كل من المملكة المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها من الدول في خطوة تعكس أهمية هذا الاعتراف رغم تأخره، والذي سيسهم يوما ما في تحقيق الحلم الفلسطيني وقيام الدولة وترسيخ قواعد الأمن والسلام في المنطقة، خصوصا من جانب المملكة المتحدة التي جاء اعترافها تصحيحا لموقفها في وعد بلفور بتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. جاء اعتراف أربع دول من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ليرتفع العدد لحوالي 149 دولة من أصل 193 دولة عضوا في الأمم المتحدة، وهو مؤشر قوي ونجاح للدبلوماسية السعودية والفرنسية، وبداية لحركة قادمة لتصحيح الوضع السياسي لفلسطين، وهو ما يشكل خطوة ضغط على المحتل الإسرائيلي الذي بات يعاني من الدعم الشعبي والعالمي للقضية الفلسطينية بقوة هذه المرة بعد أحداث السابع من أكتوبر وحرب غزة. فالقضية الفلسطينية، عادت للواجهة، ومبادرة السعودية وفرنسا لإحياء ودعم فكرة حل الدولتين “إعلان نيويورك”، والذي حدد خطوات ملموسة ومحددة زمنيا لا رجعة فيها لحل الدولتين يمثل يوما تاريخيا مع الاعتراف الدولي، والذي لقي زخما إضافيا للجهود الإقليمية والدولية من أجل حل القضية ووقف الحرب على غزة.
فالقضية الفلسطينية، ليست بحاجة لحروب، أو بيانات أو شعارات، بل تحتاج لإرادة سياسية ومواقف دولية مثل موقف مملكة إسبانيا السياسي والشعبي، وإلى إرادة ولحمة وطنية فلسطينية تترجم على أرض الواقع، لأن فلسطين دولة حتمية تاريخية على حدود 1967م. وفي هذا الزمن الذي يصرح فيه ويتوعد ويمرح ويغرد نتنياهو، وطيرانه يحلق في الأجواء ويقتل الأطفال والنساء، حتى وصل السيل الزبى، ظل الموقف العربي ساكنا، ليكون “إعلان نيويورك” حلا سياسيا مطروحا للقضية وسط ترحيب عربي ودولي، رغم كل التطورات الإسرائيلية الأميركية الساعية لتهجير الفلسطينيين، ورفض نتنياهو إقامة الدولة الفلسطينية، بل ضم الضفة الغربية لهم. كل هذه التحركات والاعترافات والمواقف الشعبية للجماهير الأوروبية في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، تتطلب إقناع الولايات المتحدة الأميركية بهذا الحراك وإغلاق الملف الفلسطيني نهائيا، أمام هذه الكارثة الإنسانية التي لم يهتز الضمير العالمي لها رغم شناعتها. الاعترافات المتوالية بالدولة الفلسطينية جاءت لتؤكد أن عالم اليوم غير عالم الأمس، وأن الدولة الفلسطينية سترى النور، والحكومة الإسرائيلية أصبحت في مأزق، لذا أمام العرب فرصة أخرى تحتم عليهم أكثر من أي وقت مضى التكاتف على مختلف الأصعدة من أجل إيجاد حل عادل ودائم لقضيتهم الأولى، والذي يتطلب إرادة سياسية عربية قوية، فالمظاهرات والاحتجاجات التي تُوّجت باعترافات غربية بفلسطين ربما تزيد الضغط على الولايات المتحدة الأميركية يوما ما، ومادام الأمر كذلك، فالدولة الفلسطينية قادمة ولو طال الزمن. فالموقف الإسباني والتحرك السعودي تجاه القضية الفلسطينية موقف تاريخي وثابت، وهذا ما أكده بيان وزارة الخارجية النرويجية بأن ما تحقق إنما جاء بجهود مكثفة قادتها المملكة العربية السعودية، وأعضاء اللجنة العربية الإسلامية المكلفة من قمة الرياض، فأمام أميركا فرصة لإيقاف نزيف الحرب في غزة والتعاون مع الترويكا العربية لتحقيق ذلك وعودة السلام والاستقرار للمنطقة والعالم. “حق وليس مكافأة قيام دولة فلسطين” هذا ما أكده غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة.. والله من وراء القصد.
كاتب ومحلل سياسي عماني