الرياض عاصمة المال الإقليمي: بين الطفرة الاقتصادية وتمكين الإنسان

| هيثم الرشدان

من‭ ‬التوطين‭ ‬إلى‭ ‬الـFinTech‭.. ‬مسيرة‭ ‬سعودية‭ ‬تبني‭ ‬اقتصاد‭ ‬المستقبل رؤيـــــة‭ ‬2030‭ ‬تجعل‭ ‬الرياض‭ ‬مركزًا‭ ‬ماليًا‭ ‬عالميًا‭ ‬بقيادة‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية

في‭ ‬ذكرى‭ ‬اليوم‭ ‬الوطني‭ ‬الخامس‭ ‬والتسعين‭ ‬للمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬تبرز‭ ‬الرياض‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كعاصمة‭ ‬سياسية‭ ‬وثقافية،‭ ‬بل‭ ‬كعاصمة‭ ‬مالية‭ ‬إقليمية‭ ‬باتت‭ ‬تحتل‭ ‬مكانة‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬المال‭ ‬العالمية‭. ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬العاصمة‭ ‬السعودية‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬جذب‭ ‬للاستثمارات‭ ‬والبنوك‭ ‬العالمية،‭ ‬بفضل‭ ‬رؤية‭ ‬طموحة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬عبدالله‭ ‬المالي،‭ ‬وسياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬جريئة‭ ‬تستهدف‭ ‬التنويع‭ ‬وبناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬مستدام‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬التجربة‭ ‬السعودية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النهضة‭ ‬المالية‭ ‬لم‭ ‬تُترجم‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬انعكست‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬العامل،‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬توطين،‭ ‬وتمكين‭ ‬حقيقي‭ ‬للموظفين،‭ ‬وخلق‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬حديثة‭ ‬تعكس‭ ‬أعلى‭ ‬معايير‭ ‬الكفاءة‭ ‬والشفافية‭.‬

توطين‭ ‬الوظائف‭ ‬كرافعة‭ ‬للنهضة

لقد‭ ‬أدركت‭ ‬المملكة‭ ‬مبكرًا‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تحول‭ ‬اقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬دون‭ ‬توطين‭ ‬حقيقي‭ ‬للوظائف‭. ‬فبفضل‭ ‬برامج‭ ‬رؤية‭ ‬2030،‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬السعوديين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬والمصرفي‭ ‬بشكل‭ ‬لافت،‭ ‬وأصبحوا‭ ‬شركاء‭ ‬أساسيين‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مؤسسات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬مقرها‭ ‬الرياض‭. ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الكم‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬الكيف؛‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تأهيل‭ ‬الكوادر‭ ‬الوطنية‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬التدريب‭ ‬المتخصص،‭ ‬والشهادات‭ ‬المهنية‭ ‬المعتمدة‭ ‬عالميًا‭ ‬مثل‭ ‬CFA‭ ‬وACCA،‭ ‬لتواكب‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬العالمي‭.‬

السعودة‭ ‬الجادة‭ ‬لا‭ ‬الشكلية

الرياض‭ ‬تميزت‭ ‬بفرض‭ ‬نسب‭ ‬سعودة‭ ‬جادة‭ ‬وفاعلة،‭ ‬لم‭ ‬تبقَ‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬ولم‭ ‬تُترك‭ ‬لمجرد‭ ‬الاستيفاء‭ ‬الشكلي‭. ‬الشركات‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬باتت‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬توظيف‭ ‬السعوديين‭ ‬يفتح‭ ‬أمامها‭ ‬أبواب‭ ‬المزايا‭ ‬الحكومية،‭ ‬والدعم‭ ‬اللوجستي،‭ ‬والخدمات‭ ‬التنافسية‭. ‬وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬التوطين‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬النمو‭ ‬المؤسسي،‭ ‬يحقق‭ ‬منفعة‭ ‬متبادلة‭: ‬مواطنون‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬وظائف‭ ‬نوعية،‭ ‬وشركات‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬حوافز‭ ‬الدولة‭ ‬وتكسب‭ ‬قوة‭ ‬عاملة‭ ‬ملتزمة‭ ‬ومؤهلة‭.‬

تمكين‭ ‬اللجان‭ ‬العمالية

في‭ ‬خطوة‭ ‬متقدمة،‭ ‬منحت‭ ‬السعودية‭ ‬اللجان‭ ‬العمالية‭ ‬صلاحيات‭ ‬عملية‭ ‬ملموسة،‭ ‬وصلت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬لتفوق‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬النقابات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬هذه‭ ‬الصلاحيات‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬متوازنة‭ ‬تضمن‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬العمل،‭ ‬وتعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الموظفين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأعمال‭. ‬النتيجة‭ ‬كانت‭ ‬سوق‭ ‬عمل‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا،‭ ‬ما‭ ‬رفع‭ ‬من‭ ‬جاذبية‭ ‬الرياض‭ ‬كوجهة‭ ‬استثمارية‭ ‬عالمية‭.‬

التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬وتمكين‭ ‬المرأة

من‭ ‬الزوايا‭ ‬المهمة‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الطفرة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬ترافقها‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المالية‭ (‬FinTech‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬أُنشئت‭ ‬مراكز‭ ‬ابتكار،‭ ‬ورُخّصت‭ ‬شركات‭ ‬ناشئة‭ ‬تقدم‭ ‬حلولًا‭ ‬ذكية‭ ‬للقطاع‭ ‬المصرفي‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬وظائف‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬قبل‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬شهد‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬السعودي‭ ‬دخولًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للمرأة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬مشاركتها‭ ‬على‭ ‬الوظائف‭ ‬الإدارية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تتبوأ‭ ‬مواقع‭ ‬قيادية‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬وشركات‭ ‬الاستثمار‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬جدية‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬كامل‭ ‬طاقاتها‭ ‬البشرية‭.‬

إصلاحات‭ ‬تشريعية‭ ‬لبيئة‭ ‬عمل‭ ‬جاذبة

لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬دور‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التشريعية‭ ‬والرقابية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬الرياض‭ ‬كعاصمة‭ ‬مالية‭. ‬الأنظمة‭ ‬العمالية‭ ‬الجديدة‭ ‬وفرت‭ ‬بيئة‭ ‬شفافة‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬المستثمرين‭ ‬وحقوق‭ ‬الموظفين،‭ ‬وهو‭ ‬عامل‭ ‬جوهري‭ ‬لكل‭ ‬مستثمر‭ ‬عالمي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الاستقرار‭ ‬والاستدامة‭.‬

إن‭ ‬الرياض‭ ‬اليوم‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجًا‭ ‬متكاملًا؛‭ ‬فهي‭ ‬عاصمة‭ ‬مالية‭ ‬مزدهرة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬حاضنة‭ ‬للطاقات‭ ‬البشرية‭ ‬ومنظومة‭ ‬حقوق‭ ‬عمالية‭ ‬متقدمة‭. ‬لقد‭ ‬جمعت‭ ‬المملكة‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والرؤية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لتثبت‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بالناتج‭ ‬المحلي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬انعكاسها‭ ‬على‭ ‬رفاه‭ ‬الإنسان‭ ‬العامل‭ ‬وأمنه‭ ‬المهني‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬الوطنية‭ ‬العزيزة،‭ ‬لا‭ ‬يسعنا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نبارك‭ ‬للمملكة‭ ‬قيادةً‭ ‬وشعبًا،‭ ‬ونؤكد‭ ‬أن‭ ‬تجربتها‭ ‬في‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬الإصلاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتمكين‭ ‬العمالي‭ ‬تمثل‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬لبقية‭ ‬العواصم‭ ‬الخليجية،‭ ‬ومنها‭ ‬المنامة،‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬إشراقًا‭ ‬وتكاملًا‭.‬