بين السياسة والوجدان.. السعودية مصدر الأمان والإلهام

| أحمد جعفر

تحالف‭ ‬مصيري‭ ‬ثابت‭ ‬يجمع‭ ‬المنامة‭ ‬والرياض‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ جسر‭ ‬الملك‭ ‬فهد‭.. ‬رمز‭ ‬حي‭ ‬للوحدة‭ ‬الأخوية‭ ‬بين‭ ‬الشعبين

لطالما‭ ‬كانت‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬هي‭ ‬المرتكزات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تبنى‭ ‬عليها‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬حسابات‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬الظروف‭ ‬الدولية،‭ ‬مما‭ ‬يعرض‭ ‬أي‭ ‬علاقات‭ ‬ثنائية‭ ‬لحالة‭ ‬من‭ ‬المد‭ ‬والجزر‭.‬

هذه‭ ‬طبيعة‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬فكل‭ ‬دولة‭ ‬لديها‭ ‬أولويات‭ ‬وحسابات‭ ‬تتعلق‭ ‬بمصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬وعلى‭ ‬أساس‭ ‬ذلك‭ ‬تنسج‭ ‬علاقاتها‭ ‬الخارجية‭.‬

وعند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬تصبح‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ملغاة‭ ‬كليًا؛‭ ‬فالعلاقات‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬المنامة‭ ‬والرياض‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬التاريخ‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭ ‬مضت‭.‬

لقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬علاقات‭ ‬البلدين‭ ‬مفهوم‭ ‬التعاون‭ ‬أو‭ ‬الشراكة‭ ‬أو‭ ‬الجيرة‭ ‬أو‭ ‬المصلحة‭ ‬المتبادلة؛‭ ‬إنما‭ ‬ترقى‭ ‬لمرتبة‭ ‬الحلف‭ ‬المصيري‭ ‬الثابت،‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬الارتباط‭ ‬التاريخي‭ ‬المتين‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬والسعودية‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬الدم‭ ‬ووحدة‭ ‬الهدف‭ ‬والمصير‭ ‬المشترك‭ ‬وتشابك‭ ‬التاريخ‭ ‬بين‭ ‬العائلتين‭ ‬المالكتين‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬السعودية‭ ‬مجرد‭ ‬جار‭ ‬جغرافي‭ ‬كبير،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬وستبقى‭ ‬الامتداد‭ ‬الطبيعي‭ ‬الذي‭ ‬تتكئ‭ ‬عليه‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الرخاء‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الشدة‭.‬

ولفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬الروابط‭ ‬المتينة‭ ‬الراسخة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬ومدى‭ ‬عمقها‭ ‬وصلابتها،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نستعيد‭ ‬بعض‭ ‬المحطات‭ ‬التاريخية،‭ ‬ففي‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالمنطقة‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العقود،‭ ‬كان‭ ‬البلدان‭ ‬يتحدثان‭ ‬بصوت‭ ‬واحد‭ ‬ويتحركان‭ ‬برؤية‭ ‬متطابقة‭. ‬

من‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الثانية‭ ‬مطلع‭ ‬التسعينيات،‭ ‬إلى‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬السعودي‭ ‬ثابتًا‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬واستقراره‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬حصر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬والسعودية‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فالتداخل‭ ‬بين‭ ‬الشعبين‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬يصعب‭ ‬فيه‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭ ‬ونظيره‭ ‬السعودي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬الدولتين،‭ ‬أزالتها‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمصاهرات‭ ‬والعلاقات‭ ‬اليومية‭ ‬الممتدة‭ ‬عبر‭ ‬جسر‭ ‬الملك‭ ‬فهد،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬حي‭ ‬يجسد‭ ‬هذا‭ ‬القرب‭ ‬الأخوي‭ ‬الاستثنائي‭.‬

من‭ ‬يعرف‭ ‬السعودية‭ ‬كما‭ ‬أعرفها،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬رسميًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬وجدان‭ ‬وذاكرة‭ ‬لشخص‭ ‬تربى‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬والسعودية‭ ‬بمثابة‭ ‬روح‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬جسدين‭. ‬

وحين‭ ‬أعبر‭ ‬الجسر،‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬إلا‭ ‬وكأنني‭ ‬أتنقل‭ ‬بين‭ ‬منطقتين‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وأكاد‭ ‬أجزم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬شعور‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬في‭ ‬الدولتين‭ ‬بلا‭ ‬استثناء‭.‬

لقد‭ ‬عرفت‭ ‬السعودية‭ ‬عن‭ ‬قرب،‭ ‬وطفت‭ ‬بين‭ ‬أرجائها‭ ‬وتشربت‭ ‬ثقافاتها‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‭ ‬ومن‭ ‬الغرب‭ ‬نحو‭ ‬الشرق،‭ ‬فهي‭ ‬كدولة‭ ‬وقيادة‭ ‬وشعب‭ ‬لها‭ ‬أثرٌ‭ ‬خالدٌ‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬بضعة‭ ‬كلمات‭.‬

وكصحافي‭ ‬بحريني‭ ‬عايش‭ ‬تفاصيل‭ ‬المنطقة،‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬دائمًا‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬وأمان،‭ ‬وتعلمت‭ ‬من‭ ‬تجربتها‭ ‬السياسية‭ ‬كيف‭ ‬تبنى‭ ‬المواقف‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التوازن‭ ‬والحكمة‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬التحالفات‭ ‬لا‭ ‬تؤسس‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالثقة‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬عبر‭ ‬عقود،‭ ‬وبالمواقف‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬كل‭ ‬الأقوال‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬علاقتي‭ ‬الشخصية‭ ‬بالسعودية‭ ‬لم‭ ‬تنفصل‭ ‬يومًا‭ ‬عن‭ ‬قناعاتي‭ ‬المهنية‭ ‬بأن‭ ‬مستقبل‭ ‬الخليج‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الثقل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬المملكة‭.‬