السعودية.. أكبر منتج ومصدر للنفط يرسم استقرار الأسواق العالمية

| د. أحمد الخزاعي

الشراكة‭ ‬البحرينية‭ ‬–السعودية‭.. ‬درع‭ ‬استراتيجي‭ ‬لحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬والطاقة أمن‭ ‬المضايق‭ ‬البحرية‭.. ‬ركيزة‭ ‬لاستقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعالمي

تُعد‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الأمن‭ ‬العالمي‭ ‬للطاقة،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خطوط‭ ‬عبور‭ ‬للسفن،‭ ‬بل‭ ‬شرايين‭ ‬استراتيجية‭ ‬تنقل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والسلع‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬هذه‭ ‬الممرات،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬وقناة‭ ‬السويس،‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وبين‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استقرارها‭ ‬ضرورة‭ ‬قصوى‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للدول‭ ‬المنتجة،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬للدول‭ ‬المستهلكة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬احتياجاتها‭ ‬الحيوية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬التنسيق‭ ‬البحريني–السعودي‭ ‬كعامل‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬وضمان‭ ‬أمنها،‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬تحولات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬متسارعة‭. ‬فالتعاون‭ ‬بين‭ ‬المنامة‭ ‬والرياض‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬عملية‭ ‬تشمل‭ ‬تدريبات‭ ‬بحرية‭ ‬مشتركة،‭ ‬وتطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬مراقبة‭ ‬ذكية،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬تحالفات‭ ‬دولية‭ ‬لحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬مثل‭ ‬“التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬لأمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية”‭. ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬تعكس‭ ‬إدراكًا‭ ‬عميقًا‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬المضايق‭ ‬البحرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تركه‭ ‬للصدفة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المتكررة‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ودعم‭ ‬الميليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬

الاستثمارات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬تعكس‭ ‬جدية‭ ‬الدولتين‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬مصالحهما‭ ‬ومصالح‭ ‬شركائهما‭ ‬الدوليين‭. ‬فقد‭ ‬خصصت‭ ‬السعودية‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة‭ ‬لتحديث‭ ‬أسطولها‭ ‬البحري،‭ ‬تجاوزت‭ ‬15‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فيما‭ ‬استثمرت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬التقنية‭ ‬لمراقبة‭ ‬السواحل‭ ‬والممرات‭ ‬الحيوية‭. ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬لا‭ ‬تهدف‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الجاهزية‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬أمنية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التهديدات‭ ‬المستجدة،‭ ‬وتضمن‭ ‬استمرار‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬دون‭ ‬انقطاع‭.‬

غياب‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬سفينة‭ ‬تحمل‭ ‬بضائع‭ ‬إلى‭ ‬موانئ‭ ‬الخليج‭. ‬فكل‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الملاحة‭ ‬يعني‭ ‬تأخيرًا‭ ‬في‭ ‬الشحن،‭ ‬وارتفاعًا‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين،‭ ‬وزيادة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النقل،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخليجية‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬التوتر‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬بنسبة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬12‭ % ‬خلال‭ ‬أسابيع،‭ ‬نتيجة‭ ‬اضطراب‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭. ‬وهذا‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬ليس‭ ‬قضية‭ ‬عسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مسألة‭ ‬تمس‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬فاتورة‭ ‬الوقود‭ ‬إلى‭ ‬كلفة‭ ‬الغذاء‭.‬

أما‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬فيتجسد‭ ‬التنسيق‭ ‬البحريني–السعودي‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬موحدة‭ ‬داخل‭ ‬المنصات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬مثل‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬ومنظمة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية،‭ ‬حيث‭ ‬تدعم‭ ‬الدولتان‭ ‬مبادرات‭ ‬مشتركة‭ ‬لضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬ورفض‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭. ‬كما‭ ‬يُعد‭ ‬مؤتمر‭ ‬“حوار‭ ‬المنامة”‭ ‬منصة‭ ‬مهمة‭ ‬تجمع‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬الإقليميين‭ ‬والدوليين‭ ‬لمناقشة‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬والطاقة،‭ ‬بمشاركة‭ ‬سعودية‭ ‬فاعلة،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬البحرين‭ ‬كمركز‭ ‬للحوار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الثنائي،‭ ‬بل‭ ‬يشكل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬إقليمية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬العربي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬مصر‭ ‬واليمن‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭. ‬كما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬استقرار‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬برمته‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الدور،‭ ‬تعزز‭ ‬البحرين‭ ‬والسعودية‭ ‬شراكتهما‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬واليابان،‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭.‬

ولا‭ ‬يجب‭ ‬اغفال‭ ‬مسألة‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬البحريني–السعودي‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمنية،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬المضايق‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭. ‬هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬يُعد‭ ‬نموذجًا‭ ‬للتعاون‭ ‬العربي‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬ويعكس‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬معادلات‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬الرؤية‭ ‬والالتزام‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭.‬