خارطة طريق اقتصاد “إسرائيل” ما بين “سبارتا العظمى” و“الميركنتالية الجديدة”!

| د. إحسان علي بوحليقة

تراجعت سوق المال في الكيان بعد أن وقف رئيس وزراء الكيان موقف المدافع عن متانة اقتصاد “إسرائيل” أمام مؤتمر اقتصادي الأسبوع الماضي، معترفاً بأن الطوق الخانق على عنق “اسرائيل” هو طوق العزلة، ولعل هذا الاعتراف هو الوحيد الذي أقرّ به رئيس وزراء الكيان، مُضيفاً بأن على اقتصاد “اسرائيل” السعي لأن يكون اقتصاداً “ذاتي الاعتماد” (والتعبير الذي استخدمه على وجه التحديد هو Autarkic)، بمعنى أن يصبح اقتصاد “إسرائيل” اقتصاداً مغلقاً! ففي وقتنا الحاضر لا وجود لأي اقتصاد مغلق، ولا حتى اقتصاد كوريا الشمالية، الذي هو أقرب اقتصاد في وقتنا الراهن لأن يكون “ذاتي الاعتماد” أو (Autarkic).  السؤال: هل هذا ممكناً بالنسبة لـ”إسرائيل”؟ الإجابة القصيرة، سِلماً ليس ممكناً، حرباً عبر التوسع واستلاب ما بيد الآخرين على الطريقة “الميركنتالية” التي اتبعتها القوى الاستعمارية في القرون السادس عشر حتى الثامن عشر. وتجنباً للتخمين، فقد استطرد نتنياهو مبيناً “خلطته السرية” لتحقيق ذلك بأن يحول ليس فقط اقتصاد “إسرائيل” بل كل كينونة “إسرائيل” لتصبح مجتمعاً يتخذ من الحرب حياة ومن الحياة حرب، حيث بين بأن مخرج “إسرائيل” من عزلتها هو أن تصبح “سبارتا العظمى” (Super Sparta)، ولم تكن سبارتا قبل 26 قرناً أكثر من جمهورية بدأت صغيرة، فامتهنت الحرب والتوسع، والتوسع والحرب والهيمنة، فلم تبقِ لها صديق إلا واعتدت عليه وناكفته، وانتهى بها الأمر إلى الانكفاء! ويبقى السؤال: هل بالإمكان أن تعيش “إسرائيل” في عزلة وان يكون اقتصادها اقتصاد سِلّم؟  ولم يكن حديث نتنياهو عابراً، بل قدمهُ منتصف الشهر (15 سبتمبر 2025) أمام حضور من المختصين من خلال عرضٍ مرئي مكون من حزمة من الشرائح المعدة مُسبقاً مدعمة بالرسومات البيانية، خلاصتهُ ان الاقتصاد “الإسرائيلي” متين، وأن الحرب على غزة لم تؤثر في نموه، وكانت رسالته موجه للمستثمرين أن يقبلوا على اقتصادٍ قادم على انطلاقة كبيرة، وأن يسارعوا قبل أن تفوتهم الفرصة، وقال: أنه عندما يُقَيم أي اقتصاد ينظر مؤشرين إثنين: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.  فكيف أداء اقتصاد “إسرائيل” في المؤشرين؟ في الأول،  ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 55 ألف دولار في العام 2022 ويقدر أنه ارتفع إلى 58 ألفاً في العام 2025،أما المؤشر الثاني فهو نسبة الدَين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي ارتفعت نسبته من 60.5 بالمائة في العام 2022 (أي قبل حرب غزة) إلى ما يتوقع أن تصل إلى 69 بالمائة (العام 2025). ومن جانبي سأضيف مؤشرين هما أكثر دلالة ويشكلا أرقاً لاقتصاد “إسرائيل” نتيجة للحرب على غزة وتداعياتها، وهما: (1) تراجع الاستثمار إذ انخفضت نسبة تكوين رأس المال الثابت من 22 بالمائة في العام 2022 إلى 20 بالمائة في العام 2025 (متوقع)، (2) صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تراجعت قيمته من 22.8 مليار دولار في العام 2022 إلى نحو 17 مليار في العام 2024. 

ثانيةً، أن يكون الاقتصاد “ذاتي الاعتماد”، يعني أن يكون منكفئاً على الداخل، منعزلاً عن الخارج، وبعبارة أصح “متوجساً ومعادياً، كما كان حال “سبارتا” قبل 26 قرناً من الزمن، او كما هو الحال مع كوريا الشمالية حالياً، باعتبارها المثال الشاخص لاقتصاد مغلق (Autarkic)، لا سبيل له إلا تقوية ذاته عسكرياً وانتاج احتياجاته استهلاكياً، وذلك تحوطاً لتأثير العقوبات على صادرات “اسرائيل”. ومنع الواردات إليها؟ هذا الاعتراف الذي أتى من “عظمة لسان” نتنياهو بداية الأسبوع الماضي يبين تأثير تداعيات المحاصرة الاقتصادية التي تبعت التطهير العرقي الذي ما برحت “اسرائيل” انتهاجه، وفقاً لما صدر عن الأمم المتحدة. لكن عملياً ليس بوسع اقتصاد “إسرائيل” أن يكون مغلقاً؛ فالقطاع المُنقذ لاقتصاد “اسرائيل” من العزلة الكاملة هو التقنية والتسليح فهما أهم صادراتها، .وهما منتشران بسلاسل امداد إلى عشرات البلدان رغم تأثر وتيرة الصادرات إجمالاً، ففي العام 2024 مَثلت الصادرات 28.5 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي “الاسرائيلي”، متراجعة من 30.5 بالمائة في العام 2023، واهم صادرات “اسرائيل” بلا منازع هي خدمات الاتصالات والحوسبة، فقيمتها 54 مليار دولار، وتمثل ~65 بالمائة من صادرات الخدمات، ولمقاربة القيمة وأنها بالفعل كبيرة، فمبلغ 54 مليار دولار يمثل -من حيث القيمة- نقطة وسط ما بين الايرادات النفطية لدولة الكويت (63مليار$) ودولة قطر (44مليار$)، جُلّ تلك الصادرات (48 مليار$) هي صادرات تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، يذهب 60 بالمائة منها إلى الولايات المتحدة، ثم الاتحاد الاوربي والصين والهند، و”اسرائيل” طرف في اتفاقيات تجارة حرة مع 48 بلداً، فيما تمثل المعدات الكهربية والطبية أهم الصادرات السلعية لكن لا ترتقي قيمتها لتنافس خدمات الحوسبة ولا حتى من بعيد. المغزى هو أن ليس بوسع اقتصاد “إسرائيل” أن ينعزل، بل الأقرب أنه سيتبع “ الميركنتالية الجديدة” بالسعي لزيادة الصادرات ولاسيما العسكرية والتقنية، والحد من الواردات والاستفادة من الاتفاقيات التجارية، وبناء احتياطيات من النقد، أما طموح نتنياهو في إقامة “سبارتا العظمى” فهو طموح يثير الشكوك وينطوي على مخاطر لاستقرار المنطقة، فقد كانت سبارتا جمهوريةً تقتات على الهيمنة عبر مهاجمة جيرانها.

 

‭ ‬مؤسس‭ ‬مركز‭ ‬جواثا‭ ‬الاستشاري