فرض التوازن بالردع الاستراتيجي
| محمد الراشد
يمثل توقيع المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية على اتفاقية الدفاع والردع الاستراتيجي محطة فارقة في مسار العلاقات الثنائية، ويؤكد أن الرياض تنطلق في خياراتها الأمنية من واقع مسؤوليتها التاريخية تجاه نفسها وأمن منطقة الخليج ، فمنذ عقود طويلة لعبت المملكة دوراً محورياً في حماية استقرار المنطقة ، واليوم تجدد التزامها عبر تحالفات مدروسة تعزز قدرة الردع وتوسع دائرة الأمن الجماعي. تأتي هذه الاتفاقية في لحظة إقليمية بالغة التعقيد حيث يتصاعد الانفلات الإسرائيلي وتتمادى حكومة الاحتلال في سياسات الغطرسة مهددةً استقرار المنطقة بأسرها ، وما كان لهذا الانفلات أن يبلغ مداه لولا الدعم المباشر من قوى كبرى و تماهي أمريكي مع السياسات الإسرائيلية ، الأمر الذي أوجد حالة من اهتزاز الثقة لدى دول الخليج تجاه شركاء تقليديين طالما اعتُبروا ضامنين للأمن . ومن هنا فإن خيار الرياض بالتوقيع على اتفاق دفاع يشمل جميع الخيارات العسكرية المتاحة مع دولة إسلامية كبرى مثل باكستان يملك مقومات الردع النووي والخبرة العسكرية، يعبّر عن إرادة سياسية واضحة بأن أمن الخليج لا يُرتهن لحسابات الآخرين ، بل يُصان بتحالفات واقعية قادرة على الردع. في ذات الوقت تشدد المملكة على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد أحد بل تعكس رؤية استراتيجية مسؤولة تقوم على التعددية في الشراكات والعمل على تعزيز الاستقرار بعيدًا عن الاستقطاب ، فهي خطوة تجمع بين العقلانية السياسية والحزم في مواجهة التهديدات ، وتؤكد دور الرياض كلاعب أساسي في هندسة الأمن الإقليمي وموازين القوى الدولية. تحمل الاتفاقية أكثر من بعد فهي استمرار لشراكة تاريخية امتدت لثمانية عقود ، وتجسيد لرؤية سعودية ترى أن أمنها الوطني لا ينفصل عن أمن الخليج والمنطقة الإسلامية الأوسع ، وهي أيضاً إعلان صريح أن المملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، تظل واحدة من أهم معادلات التوازن في الإقليم والعالم. اتفاقية الدفاع والردع الاستراتيجي بين الرياض وإسلام آباد لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة ، فهي إعلان واضح وصريح بأن السعودية تتحرك كقوة إقليمية مسؤولة تصوغ شراكاتها من واقع الحاجة لحماية الخليج وإعادة التوازن في الشرق الأوسط. وبقدر ما تحمل هذه الخطوة رسالة سلام ، فإنها تضع في الوقت ذاته معادلة ردع واضحة تؤكد أن الرياض لن تسمح للغطرسة من أي طرف ولا للدعم الخارجي المنحاز بفرض وقائع جديدة على حساب استقرار الخليج و المنطقة.
*مدير مكتب قناة “روسيا اليوم” بالرياض