لا تورثوا أبناءكم الوحدة
| إبراهيم النهام
في حالٍ يخالف ما اعتدناه في الماضي، بات اليوم من السهل أن يُستغنى عن الآخر لأبسط الأسباب، مهما كانت درجة القرابة أو عمق المعرفة. لم تعد الروابط تُصان، بل تُفكّك عند أول اصطدام، أو خلاف، وكأننا نعيش في عصر “الاستغناء السهل” عن الآخرين. هذا الواقع الجديد لا يقتصر أثره على الحاضر فقط، بل يمتد ليشكل ملامح المستقبل، ويؤثر على الأجيال القادمة التي تنشأ في بيئة تفتقر العلاقات الطبيعية مع محيطها الاجتماعي. الكثير من البيوت اليوم تحوّلت إلى جدران عازلة تحتضن عائلة صغيرة بلا أقرباء، بلا معارف، بلا جيران يطرقون الباب. أطفال يكبرون دون أن يعرفوا معنى “اللمة”، أو صوت الضحك الجماعي في مجلس العائلة، هذا التحول لا يمكن فصله عن الاستقلال المادي الذي بات سمة العصر. حين يصبح الإنسان قادرًا على تلبية احتياجاته دون الاعتماد على أحد، حيث يبدأ في رؤية العلاقات مع أقرب الأقرباء، كرفاهية لا ضرورة. ومع مرور الوقت، تتراجع قيمة التواصل، ويحل محلها شعور زائف بالاكتفاء الذاتي، رغم أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي لا يكتمل إلا بالآخر. في مجتمعاتنا، كانت “الجار قبل الدار” و”الأخ سند” من القيم التي تُغرس فينا منذ الصغر، لكننا اليوم نرى كيف تذوب هذه المبادئ وتنتهي. نحن بحاجة لإعادة النظر في هذه الثقافة الدخيلة، لا لنعود كما كنا، بل لنفهم أن الاستغناء لا يجب أن يكون أول ردة فعل، وأن العزلة ليست دائمًا الحل، فالتوازن بين الاستقلال والتواصل هو ما يصنع إنسانًا سويًا، قادرًا على أن يعيش مع نفسه ومع الآخرين بسلام، دون أن يفقد إنسانيته في زحمة الانشغال بذاته، ودون أن يورث أبناءه شعور الوحدة في عالمٍ كان يومًا مليئًا بالدفء والناس.
كاتب وإعلامي بحريني