فن الإدارة.. بين التكريم والتحفيز
| زهير توفيقي
تداولت وسائل التواصل الاجتماعي قصة عامل في مطعم للوجبات السريعة في الولايات المتحدة الأميركية، قضى سبعة وعشرين عاماً في عمله من دون إجازة واحدة، ليكون التكريم الذي ناله في نهاية المطاف مجرد كوب وحلوى وتذكرة سينما! وهنا ينطبق الحديث “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”. وللأمانة سواء صحّت تفاصيل القصة أم لا، فإنها تحمل دلالة بالغة على غياب أبسط مقومات فن الإدارة وحسن المعاملة والإنسانية. المتابعون لهذا الخبر الصادم تعاطفوا معه وأطلقوا حملة مساعدة عبر الإنترنت، وجمعوا له أكثر من 400 ألف دولار أميركي ساعدته على شراء أول منزل له. وهنا ينطبق عليه المثل العربي “رب ضارة نافعة”. لقد وجّهنا القرآن الكريم إلى قيمة الإحسان في كل أمر، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، كما قال النبي (ص) “مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله”. فهذه التوجيهات تضع مبدأ أساسياً في العلاقة بين الإدارة والموظفين: أن يكون هناك عدلٌ في الحقوق، وإحسانٌ في المعاملة، وشكرٌ لمن بذل الجهد والوقت، والتفاني والتضحيات. فالموظف ليس مجرد رقم أو أداة في عجلة الإنتاج، بل إنسان يهب عمره في خدمة المؤسسة. وحين يُقابل هذا الإخلاص بلا مبالاة أو تكريم لا يرقى لتضحياته، فإن الرسالة التي يتلقاها الموظفون الآخرون هي أن الولاء لا قيمة له، وأن العطاء لا يقابله تقدير. النتيجة الطبيعية لذلك هي فتور الحماس، وانخفاض الإنتاجية، وفقدان الانتماء المؤسسي. لقد أثبتت التجارب الإدارية الحديثة أن التحفيز الصادق والتكريم الحقيقي قادران على إحداث أثر مضاعف. ويشير عالم الإدارة أبراهام ماسلو إلى أن الإنسان، بعد إشباع حاجاته الأساسية، يسعى إلى التقدير وتحقيق الذات. فإذا لم توفر المؤسسة بيئة يشعر فيها الموظف بالاحترام والاعتراف بجهده، فإنها تخسر أهم دافع للإبداع والولاء. كما أكد العالم فريدريك هرتزبرغ في “نظرية العاملين” أن الرضا الوظيفي لا يرتبط فقط بالراتب أو الظروف المادية، بل بالتحفيز المعنوي والتقدير الذي يشعر به الموظف. وكما هو معروف فإن التحفيز ليس ترفاً إدارياً، بل هو استثمار في رأس المال البشري. والتكريم لا يعني بالضرورة مكافآت مالية ضخمة، بل قد يكون كلمة شكر علنية، أو شهادة تقدير، أو ترقية مستحقة، أو حتى لفتة إنسانية صادقة. الخلاصة... الموظفون لا ينسون معاملة مديريهم، والمؤسسات الناجحة هي التي تفهم أن تكريم العامل هو في الحقيقة تكريم للمؤسسة ذاتها. شخصياً وبعد أن عملت لمدة 37 عاماً من الخدمة المتواصلة مع إحدى الشركات الصناعية الكبرى في المملكة، أدركت أن التحفيز يلعب دورا مهما ومحورياً في خلق بيئة عمل جاذبة وزرع روح العمل الجماعي، وبالتالي سينعكس ذلك إيجابا على الإنتاجية. أستغرب من بعض المسؤولين الذين يبخلون حتى بكلمة طيبة من خلال تقديم شكر ولو شفهيا أو بشهادة تقدير. أذكر هؤلاء المسؤولين بالحديث الشريف “الكلمة الطيبة صدقة”. والله من وراء القصد.
كاتب وإعلامي بحريني