ولكم في إسبانيا أسوة حسنة

| سليم مصطفى بودبوس

زرتُ‭ ‬إسبانيا‭ ‬في‭ ‬مناسبتين‭ ‬متتاليتين‭ ‬في‭ ‬العامين‭ ‬2024‭ - ‬2025،‭ ‬وبعد‭ ‬كل‭ ‬زيارة‭ ‬كنت‭ ‬أردّد‭ ‬في‭ ‬سرّي،‭ ‬وأُسِرُّ‭ ‬لِـمَنْ‭ ‬هو‭ ‬موضِعُ‭ ‬سِرّي‭ ‬أنِ‭ ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬إذْ‭ ‬أخرج‭ ‬اللهُ‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬الأندلس‭.. ‬كنت‭ ‬أقولها‭ ‬بكلّ‭ ‬ألم‭ ‬بعدما‭ ‬رأيت‭ ‬مظاهر‭ ‬التطور‭ ‬والتمدن‭ ‬والرقي‭ ‬الأخلاقي‭ ‬في‭ ‬المعاملات،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬المواقف‭ ‬الإنسانية‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬مملكة‭ ‬إسبانيا‭ ‬شعبا‭ ‬وحكومة‭.. ‬كنت‭ ‬أقولها‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أمرّ‭ ‬بتلك‭ ‬الديار‭ ‬ولا‭ ‬أعقد‭ ‬المقارنات‭ ‬مع‭ ‬بلادننا‭.. ‬كنت‭ ‬أقولها‭ ‬في‭ ‬سرّي‭ ‬خوفا‭ ‬أن‭ ‬يسمعها‭ ‬ابني‭ ‬المقيم‭ ‬هناك،‭ ‬وقد‭ ‬ربّيته‭ ‬على‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بهويته‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬فيتّهمني‭ ‬بازدراء‭ ‬حضارتنا‭ ‬ومنجزاتها‭ ‬التليدة‭.‬

ويوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬تزداد‭ ‬قناعتي‭ ‬بما‭ ‬أسررته،‭ ‬فأفضي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬حتى‭ ‬وجدتُني‭ ‬أكتبه‭ ‬بصريح‭ ‬اللفظ‭ ‬والمعنى‭: ‬لقد‭ ‬وجدنا‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬مملكة‭ ‬إسبانيا،‭ ‬شعبا‭ ‬ثم‭ ‬حكومة،‭ ‬ما‭ ‬يثلج‭ ‬صدر‭ ‬كل‭ ‬إنسان،‭ ‬وكلّ‭ ‬عربيّ‭ ‬وكل‭ ‬مسلم‭ ‬غيور‭ ‬على‭ ‬أهلنا‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وعوّضنا‭ ‬خيرا‭... ‬ومازال‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني‭ ‬يواجه‭ ‬الإبادة‭ ‬شعبياً‭ ‬ورسمياً،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إحدى‭ ‬ركائز‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإسبانية،‭ ‬ومازالت‭ ‬الجموع‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬مدن‭ ‬إسبانيا‭ ‬ومدن‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى‭ ‬تنتصر‭ ‬للحق‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ولحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

فكم‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إرادة‭ ‬الشعب‭ ‬متّسقة‭ ‬مع‭ ‬القرار‭ ‬الرسميّ؛‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسباني‭ ‬“بيدرو‭ ‬سانشيز”‭ ‬يصدر‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬مرسوما‭ ‬ملكيا‭ ‬يقضي‭ ‬بتجريم‭ ‬تصدير‭ ‬الأسلحة‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ويلغي‭ ‬عقود‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬معها،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬توجّهات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإسبانية‭ ‬الداعمة‭ ‬لحقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬اعتراف‭ ‬إسبانيا‭ ‬رسميًا‭ ‬بدولة‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2024‭. 

إنها‭ ‬دولة‭ ‬صديقة‭ ‬في‭ ‬الإنسانية‭ ‬تأخذ‭ ‬قرارات‭ ‬جريئة‭ ‬ونافذة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬الغربي‭ ‬كإلغاء‭ ‬صفقة‭ ‬عقود‭ ‬الأسلحة‭ ‬وتجريم‭ ‬تصديرها‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الاعتراف‭ ‬السابق‭ ‬بدولة‭ ‬فلسطين‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬تحولًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الأوروبي‭ ‬تجاه‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وأخيرا‭ ‬وليس‭ ‬آخرا‭ ‬قرار‭ ‬رفع‭ ‬قيمة‭ ‬الدعم‭ ‬المقدّم‭ ‬لوكالة‭ ‬الأونروا‭ ‬إلى‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬يورو،‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬المساعدات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬أهالي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

طبعا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬تقليل‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬وباقي‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وشعوبها‭ ‬فيما‭ ‬قدّمته‭ ‬وتقدمه‭ ‬للمستضعفين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬خصوصا‭ ‬وفي‭ ‬عموم‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والشعوب‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬تنتظر‭ ‬بكل‭ ‬حماس‭ ‬ما‭ ‬يشفي‭ ‬الغليل‭ ‬ويروي‭ ‬العليل‭. ‬لذا‭ ‬فلسان‭ ‬الشكر‭ ‬موصول‭ ‬لكل‭ ‬منتصر‭ ‬للحق‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬بينما‭ ‬القلب‭ ‬يهتف‭ ‬España Gracias de corazón‭.‬

 

كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية