العمل العام بين التطوع والواجب!

| أسامة مهران

يبدو‭ ‬أن‭ ‬الخلط‭ ‬أصبح‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬العام‭ ‬بين‭ ‬التطوع‭ ‬والوظيفة،‭ ‬بين‭ ‬الواجب‭ ‬والواجب‭ ‬مكرر،‭ ‬إذا‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬واجب‭ ‬إنساني‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬المهمات‭ ‬الوظيفية‭ ‬التي‭ ‬تتطلبها‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وتفرضها‭ ‬مقتضيات‭ ‬الموقع‭ ‬الرسمي‭.‬

الكارثة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬رؤساء‭ ‬الجمعيات‭ ‬والاتحادات‭ ‬التطوعية‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬المنتمين‭ ‬لهذه‭ ‬الجهات‭ ‬تطوعيًا‭ ‬بقوانين‭ ‬الوظيفة،‭ ‬ولوائح‭ ‬الثواب‭ ‬والعقاب،‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والاتكالية،‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرؤساء‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ينضوي‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬تلك‭ ‬الاتحادات‭ ‬أو‭ ‬الجمعيات‭ ‬هو‭ ‬مرؤوس‭ ‬لهم،‭ ‬يتصرفون‭ ‬فيه‭ ‬كيفما‭ ‬يشاؤون،‭ ‬ويقيمون‭ ‬عليهم‭ ‬الحدود‭ ‬لو‭ ‬لزم‭ ‬الأمر،‭ ‬ويحولونهم‭ ‬للجان‭ ‬التحقيق‭ ‬لو‭ ‬أخطأوا‭ ‬أو‭ ‬قصروا‭ ‬أو‭ ‬تجاوزوا‭ ‬حد‭ ‬التفاهم‭ ‬المفروض‭ ‬قسرًا‭ ‬لا‭ ‬طوعًا‭. ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬أيها‭ ‬السادة‭ ‬ليس‭ ‬وظيفة‭ ‬حكومية،‭ ‬ولا‭ ‬منصبًا‭ ‬رسميًا،‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬مصرف‭ ‬أو‭ ‬مصنع‭ ‬أو‭ ‬شركة‭ ‬كبرى،‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬بأعضائه‭ ‬ومختلف‭ ‬المنتمين‭ ‬له‭ ‬نعمة‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬الله،‭ ‬لا‭ ‬فرض‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬ولا‭ ‬عقاب‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أعلى‭ ‬وظيفيًا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬الريادة‭ ‬الخيرية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية‭ ‬أو‭ ‬ريادة‭ ‬النخب‭.‬

الفترة‭ ‬القريبة‭ ‬الماضية‭ ‬شهدت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التحركات‭ ‬لرؤساء‭ ‬الاتحادات‭ ‬التطوعية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬رئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬الكُتاب‭ ‬المصريين،‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬قام‭ ‬بتحويل‭ ‬أحد‭ ‬الأعضاء‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق‭ ‬لأنه‭ ‬أدلى‭ ‬بتصريحات‭ ‬مساندة‭ ‬لبعض‭ ‬الزملاء‭ ‬الأدباء‭. ‬الطامة‭ ‬الكبرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسؤول‭ ‬جاء‭ ‬بالانتخاب‭ ‬نزولاً‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬أعضاء‭ ‬الاتحاد‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬والفصل‭ ‬والدور‭ ‬والطبيعة‭ ‬زملاء‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الاتحاد‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬جسد‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬وكل‭ ‬عضو‭ ‬غير‭ ‬خاضع‭ ‬قانونيًا‭ ‬لإدارة‭ ‬رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬بقدر‭ ‬خضوعه‭ ‬شرفيًا‭ ‬لهذا‭ ‬الرئيس.

المدهش‭ ‬حقًا‭ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬يتعامل‭ ‬ويتعاطى‭ ‬مع‭ ‬الأعضاء‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬الجسم‭ ‬والهيكل‭ ‬والكيان‭ ‬لهذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬بمنطق‭ ‬الرئيس‭ ‬والمرؤوس‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تعيينه‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬إدارية‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬رغم‭ ‬تبعية‭ ‬الاتحاد‭ ‬شكليًا‭ ‬لوزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬ورغم‭ ‬تدخل‭ ‬الوزارة‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الاتحاد‭ ‬نظرًا‭ ‬لخطورة‭ ‬الأدوار‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلعبها‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية‭ ‬للمجتمع‭ ‬والدولة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬يضم‭ ‬النخب‭ ‬المفكرة‭ ‬من‭ ‬مثقفين‭ ‬وروائيين‭ ‬وشعراء‭ ‬ونقاد‭.‬

رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬رغم‭ ‬انتمائه‭ ‬للجسم‭ ‬الصحافي‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأدب‭ ‬ودنيا‭ ‬الإبداع‭ ‬تصرف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تحديدًا‭ ‬مثلما‭ ‬يتصرف‭ ‬رؤساء‭ ‬الشركات‭ ‬مع‭ ‬موظفيهم،‭ ‬ومثلما‭ ‬يشرف‭ ‬مدراء‭ ‬المؤسسات‭ ‬والهيئات‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬يديرونها‭ ‬ويتحملون‭ ‬مسؤولية‭ ‬نتائج‭ ‬أعمالها،‭ ‬إما‭ ‬أمام‭ ‬المساهمين‭ ‬بالنسبة‭ ‬للشركات‭ ‬المساهمة‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬مهمًا‭ ‬وهي‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬تكون‭ ‬مسجلة‭ ‬في‭ ‬البورصة،‭ ‬أو‭ ‬أمام‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬المعنية‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تابعة‭ ‬مباشرة‭ ‬للحكومة‭ ‬أو‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬“المغلق”،‭ ‬أي‭ ‬الذي‭ ‬يتبع‭ ‬نظام‭ ‬شركة‭ ‬الفرد‭ ‬الواحد،‭ ‬أو‭ ‬الشركة‭ ‬المساهمة‭ ‬المقفلة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬لفصيلة‭ ‬“ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة”‭.‬

رئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬الكتاب‭ ‬أديب‭ ‬وسط‭ ‬أدباء‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬منحوه‭ ‬أصواتهم‭ ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬“أدبيًا”‭ ‬رئيسًا‭ ‬لهم،‭ ‬ولكي‭ ‬يدير‭ ‬المنظومة‭ ‬معهم‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يدير‭ ‬المنظومة‭ ‬ويديرهم‭ ‬معها،‭ ‬المسألة‭ ‬إذًا‭ ‬بسيطة‭ ‬وواضحة‭ ‬وضوح‭ ‬الشمس،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬الغربال‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬الذي‭ ‬“لا‭ ‬يرى‭ ‬ولا‭ ‬يسمع”‭ ‬والأفضل‭ ‬له‭ ‬ألا‭ ‬يتكلم‭.‬

العمل‭ ‬العام‭ ‬المقسوم‭ ‬دائمًا‭ ‬بين‭ ‬تطوعي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تقاضي‭ ‬أجر‭ ‬عنه،‭ ‬ووظيفي‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬لقاء‭ ‬راتب‭ ‬شهري‭ ‬أو‭ ‬أسبوعي‭ ‬ومكافآت‭ ‬دورية‭ ‬وأجور‭ ‬تقاعدية‭ ‬تابعة‭ ‬لنظام‭ ‬التأمينات‭ ‬في‭ ‬الدولة‭.‬

رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬عقاب‭ ‬الأعضاء‭ ‬حيث‭ ‬مكانته‭ ‬من‭ ‬مكانتهم،‭ ‬ومكانتهم‭ ‬من‭ ‬مكانته،‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬ولا‭ ‬يستقيم‭ ‬أن‭ ‬ينسى‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬نفسه‭ ‬ويحاول‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬قوانين‭ ‬وأنظمة‭ ‬وشخصية‭ ‬مؤسسات‭ ‬أخرى،‭ ‬فالأديب‭ ‬ليس‭ ‬محاسبًا‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬محاسبة،‭ ‬وليس‭ ‬مهندسًا‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬مقاولات،‭ ‬ولا‭ ‬عامل‭ ‬تراحيل‭ ‬يتم‭ ‬الاحتياج‭ ‬إليه‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬العمالة‭ ‬المنتظمة،‭ ‬أو‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونها‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية