بلاد حقوق الإنسان بلا أمان

| فاطمة عادل سند

‭ ‬الأمان‭ ‬هو‭ ‬أسمى‭ ‬حقّ‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان؛‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬باقي‭ ‬الحقوق‭ ‬كالحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والحريات‭ ‬العامّة‭ ‬وغيرها،‭ ‬بل‭ ‬يستحيل‭ ‬التمتع‭ ‬بأي‭ ‬حق‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬دون‭ ‬أمان‭. ‬ومن‭ ‬مخلّفات‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬تقسيم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬دولٍ‭ ‬متقدمة‭ ‬“حامية”‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تنضم‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بتلك‭ ‬الحقوق،‭ ‬ودولٍ‭ ‬توصَمُ‭ ‬بأنّها‭ ‬غير‭ ‬ضامنة‭ ‬ولا‭ ‬حامية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬فتظلّ‭ ‬تحت‭ ‬مجهر‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬“المستقلة”‭ ‬ومجهر‭ ‬لجان‭ ‬مجالس‭ ‬النواب‭ ‬المعنية‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬برلمانات‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬“تزعم”‭ ‬أنها‭ ‬حامية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتبقى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬“النموّ‭ ‬الحقوقي”‭ ‬تواجه‭ ‬ضغطا‭ ‬دوليّا‭ ‬مستمرّا‭ ‬للادلاء‭ ‬بإنجازاتها‭ ‬وتقدّمها‭ ‬المحرز‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وكأنها‭ ‬متّهمة‭ ‬حتّى‭ ‬تثبت‭ ‬براءتها‭!‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬هذه‭ ‬القوالب‭ ‬والأحكام‭ ‬المسبقة‭ ‬والصور‭ ‬النمطية‭ ‬تشكّل‭ ‬تحديًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬أمام‭ ‬الحقيقة‭ ‬والواقع‭ ‬الذي‭ ‬يخالفها؛‭ ‬فالحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬يذهب‭ ‬سدى‭ ‬إذا‭ ‬غاب‭ ‬الأمان،‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يتكرّر‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تتشدّق‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتحاسب‭ ‬غيرها‭ ‬دون‭ ‬هوادة‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬وثّقته‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وبعض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬حين‭ ‬نشرت‭ ‬مشهد‭ ‬طعن‭ ‬لاجئة‭ ‬أوكرانية‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬كارولينا‭ ‬الشمالية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية،‭ ‬شابّة‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬جحيم‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬بلدها‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬تتغنى‭ ‬بحرية‭ ‬التعبير‭ ‬والرأي‭ ‬وقبول‭ ‬الآخر‭ ‬والتسامح‭.. ‬لكنّ‭ ‬“إيرينا‭ ‬زاروتسكا”،‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬23‭ ‬عامًا،‭ ‬تموت‭ ‬طعنا‭ ‬داخل‭ ‬قطار‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬مريب‭ ‬وهدوء‭ ‬مخيف،‭ ‬حتّى‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تصدر‭ ‬نداء‭ ‬استغاثة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تعبّر‭ ‬عمّا‭ ‬تشعر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬يسيطر‭ ‬فيه‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬الشاهدين‭ ‬على‭ ‬الجريمة‭.

في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تنادي‭ ‬بحرية‭ ‬التعبير‭ ‬وتضمن‭ ‬التنوع‭ ‬والاختلاف‭ ‬ترى‭ ‬أيضًا‭ ‬أفواج‭ ‬المتظاهرين‭ ‬يمارسون‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والتظاهر‭ ‬السلمي‭ ‬والاحتجاج‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إخفاء‭ ‬بعض‭ ‬الشعارات‭ ‬العنصرية‭ ‬وخطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬والتطرّف‭ ‬والفرقة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

وهنا‭ ‬وقفة‭ ‬تأمّل‭ ‬ضرورية؛‭ ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وفي‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭ ‬والمنة،‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬أمان‭ ‬يحمي‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان؛‭ ‬فشوارعنا‭ ‬آمنة‭ ‬ليلًا‭ ‬ونهارًا،‭ ‬بيوتنا‭ ‬مفتوحة‭ ‬الأبواب،‭ ‬وأحياؤنا‭ ‬مسالمة،‭ ‬وصروحنا‭ ‬التعليمية‭ ‬آمنة،‭ ‬ووسائل‭ ‬المواصلات‭ ‬لم‭ ‬تسجل‭ ‬جرائم‭ ‬هدّدت‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين،‭ ‬ومؤسساتنا‭ ‬الصحية‭ ‬أيضًا‭ ‬آمنة‭ ‬وفي‭ ‬أتم‭ ‬الجاهزية،‭ ‬وقواتنا‭ ‬الأمنية‭ ‬دائمًا‭ ‬متأهبة‭ ‬لحفظ‭ ‬الأمن‭ ‬والسلام،‭ ‬وللعمال‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬الوافدين‭ ‬عناية‭ ‬خاصة‭ ‬تضمن‭ ‬لهم‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬لا‭ ‬يشوبها‭ ‬استغلال‭ ‬ولا‭ ‬اتجار‭.. ‬وذلك‭ ‬لأنّ‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬لما‭ ‬تميّز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬انفتاح‭ ‬وتسامح‭ ‬وتقبل‭ ‬للآخر‭.. ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬خطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬والنزعات‭ ‬العنصرية‭ ‬والفئوية‭.. ‬فالله‭ ‬ندعو‭ ‬أن‭ ‬يديم‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬والخير‭ ‬والعزة‭ ‬والرفعة‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬وأهله‭.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية