الحريات الشخصية... بين قناعات الفرد وهيمنة الجماعة

| زهير توفيقي

‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجتمع،‭ ‬هناك‭ ‬هامش‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬دونه،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأية‭ ‬منظومة‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭ ‬أن‭ ‬تكتمل‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تحترم‭ ‬هذا‭ ‬الهامش‭. ‬فالفرد‭ ‬ليس‭ ‬صورة‭ ‬طبق‭ ‬الأصل‭ ‬من‭ ‬غيره،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والقناعات‭ ‬والسلوكيات‭ ‬التي‭ ‬تشكّلت‭ ‬عبر‭ ‬مسيرة‭ ‬حياة‭ ‬متفردة‭. ‬فكل‭ ‬فرد‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬تصرفاته‭ ‬وسلوكياته‭ ‬بحسب‭ ‬قناعته‭ ‬الشخصية‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬يحترم‭ ‬الآخرين‭. ‬لكن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬البعض،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬بلغوه‭ ‬من‭ ‬تعليم‭ ‬رفيع‭ ‬ومواقع‭ ‬ومراكز‭ ‬قيادية،‭ ‬فإنهم‭ ‬مازالوا‭ ‬يظنون‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬مصادرة‭ ‬هذا‭ ‬الحق،‭ ‬وفرض‭ ‬نمطهم‭ ‬ومعتقداتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬بدعوى‭ ‬“الالتزام‭ ‬الديني”‭ ‬أو‭ ‬“الحرص‭ ‬على‭ ‬الصواب”‭. ‬في‭ ‬أسفار‭ ‬جماعية‭ ‬أو‭ ‬تجمعات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ترى‭ ‬من‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬صائبًا‭ ‬هو‭ ‬الحق‭ ‬وحده،‭ ‬وما‭ ‬عداه‭ ‬باطل‭ ‬يستحق‭ ‬الإلغاء‭ ‬أو‭ ‬الامتعاض‭. ‬والسبب‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الأسفار‭ ‬ومع‭ ‬جماعات‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ميولهم‭ ‬الدينية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬غريبا،‭ ‬حينها‭ ‬تدرك‭ ‬الفكر‭ ‬المتشدد‭ ‬الذي‭ ‬يحملونه‭! ‬وحينها‭ ‬ينكشف‭ ‬المستور‭ ‬ويظهرون‭ ‬على‭ ‬حقيقتهم‭.‬

هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يكتفون‭ ‬بتطبيق‭ ‬ما‭ ‬يؤمنون‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬أنفسهم،‭ ‬بل‭ ‬يسعون‭ ‬–‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع‭ ‬أو‭ ‬ضغط‭ ‬خفي‭ ‬–‭ ‬لفرضه‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬لاختلاف‭ ‬القناعات‭ ‬أو‭ ‬ظروف‭ ‬الآخرين‭. ‬والأسوأ‭ ‬أنهم‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬المختلفين‭ ‬عنهم‭ ‬وكأنهم‭ ‬أهل‭ ‬ضلالة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬النوايا‭ ‬السيئة،‭ ‬متناسين‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق،‭ ‬والنية‭ ‬الطيبة،‭ ‬والتعامل‭ ‬الراقي،‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬جوهر‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬يتحدثون‭ ‬باسمه‭.‬

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يطبقون‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭ ‬أبسط‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يدعون‭ ‬إليها،‭ ‬لا‭ ‬أمانة‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬أو‭ ‬الفعل،‭ ‬ولا‭ ‬عدالة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬تَورّع‭ ‬عن‭ ‬الغيبة‭ ‬والتصنيف‭ ‬والأذى‭ ‬المعنوي،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬النظافة‭! ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فهم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬ينصب‭ ‬نفسه‭ ‬وصيًا‭ ‬على‭ ‬“الصحيح”‭ ‬و”الخطأ”،‭ ‬بل‭ ‬ويغضب‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬من‭ ‬يختلف‭ ‬معه،‭ ‬وكأن‭ ‬التنوّع‭ ‬خطر‭ ‬ينبغي‭ ‬استئصاله‭! ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬التناقض‭ ‬الذي‭ ‬يمارسونه‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭ ‬يعتبرونها‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬الطبيعية‭!. 

إن‭ ‬تطبيق‭ ‬الدين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بتشددٍ‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬والمظهر‭ ‬وتجاهل‭ ‬للجوهر،‭ ‬ولا‭ ‬بتضييق‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬فيما‭ ‬أحلّه‭ ‬الله‭ ‬لهم‭. ‬فالدين‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُترجم‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬وتفهّم‭ ‬وتسامح،‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للنفور‭ ‬لا‭ ‬للهداية،‭ ‬وإلى‭ ‬جدار‭ ‬فاصل‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسرًا‭ ‬للتواصل‭ ‬والمحبة‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الفوضى،‭ ‬وأن‭ ‬التدين‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الوصاية‭. ‬وما‭ ‬أجمل‭ ‬أن‭ ‬نؤمن‭ ‬بشيء‭ ‬ونطبقه‭ ‬على‭ ‬أنفسنا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نظن‭ ‬أن‭ ‬الآخرين‭ ‬خُلقوا‭ ‬ليكونوا‭ ‬نُسخًا‭ ‬منا‭. ‬فالله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬خلق‭ ‬الناس‭ ‬شعوبًا‭ ‬وقبائل،‭ ‬واختلافهم‭ ‬آية‭ ‬لا‭ ‬خطيئة‭.‬

قال‭ ‬تعالى‭ ‬“‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬النَّاسُ‭ ‬إِنَّا‭ ‬خَلَقْنَاكُم‭ ‬مِّن‭ ‬ذَكَرٍ‭ ‬وَأُنثَىٰ‭ ‬وَجَعَلْنَاكُمْ‭ ‬شُعُوبًا‭ ‬وَقَبَائِلَ‭ ‬لِتَعَارَفُوا‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬أَكْرَمَكُمْ‭ ‬عِندَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬أَتْقَاكُمْ‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬عَلِيمٌ‭ ‬خَبِيرٌ”‭.‬

ختامًا،‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬تدينًا‭ ‬متشدّدًا،‭ ‬بل‭ ‬إنسانية‭ ‬متسامحة‭... ‬تفرح‭ ‬باختلاف‭ ‬الآخر،‭ ‬وتُحسن‭ ‬الظن‭ ‬به،‭ ‬وتترك‭ ‬لله‭ ‬وحده‭ ‬الحكم‭ ‬عليهم‭. ‬هل‭ ‬وصلت‭ ‬الرسالة؟‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني