اليابان تعتمد على منطقة الشرق الأوسط لتأمين أكثر من 95 % من وارداتها من النفط الخام

| عبدالله بوقس

البحر‭ ‬جسر‭ ‬يربط‭ ‬البحرين‭ ‬بطوكيو‭ ‬عبر‭ ‬ممرات‭ ‬بحرية‭ ‬منها‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬منطقة‭ ‬“آسيان” كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للبحرين‭ ‬واليابان‭ ‬عبر‭ ‬بحار‭ ‬“آسيان”‭ ‬أن‭ ‬تصوغا‭ ‬شراكة‭ ‬تستجيب‭ ‬لحاجات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث؟ البحرين‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬لوجستية‭ ‬تربط‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ومستثمر‭ ‬يخطو‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل فرصة‭ ‬لإطلاق‭ ‬“تحالف‭ ‬ثقافات‭ ‬بحرية”‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬ آسيان‭ ‬مساحة‭ ‬تربط‭ ‬اليابان‭ ‬بالخليج‭ ‬وتمدّ‭ ‬بينهما‭ ‬خيوطًا‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬والثقافة

حين رفعت مملكة البحرين شعار “تلاقي البحار” لجناحها في (إكسبو أوساكا 2025) باليابان، لم تكن تستعرض ذاكرتها البحرية وحدها، بل كانت تُلخّص موقعًا إقليميًا أوسع: موقع المنامة التي مثلت دومًا مرآة للتبادل بين الشرق والغرب.  البحر هنا ليس مجرد أفق أزرق، بل رمز لاقتصاد يتوسع، وشريان لمصالح متقاطعة، وجسر يربط البحرين بطوكيو عبر ممرات بحرية منها مضيق ملاكا أو ملقا في قلب منطقة جنوب شرق آسيا أو ما تعرف ب (آسيان). وفي هذا الامتداد تتحول البحار من حدود تفصل إلى روابط توحّد، ومن طرق للملاحة إلى منصات للتجارة والطاقة والثقافة والأمن. القضية إذن ليست احتفالية عابرة، بل رؤية أعمق: كيف يمكن للبحرين واليابان، عبر بحار آسيان، أن تصوغا شراكة جديدة تستجيب لحاجات الاقتصاد الحديث وتحديات المستقبل؟ وفي هذا السياق تكتسب الزيارة الرسمية المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى اليابان، وما يتخللها من مشاركة في (إكسبو أوساكا) وحضور فعالية اليوم الوطني البحريني، دلالة تتجاوز الطقوس الدبلوماسية إلى اختبار عملي لمعنى هذا الشعار.

الممرات البحرية والتجارة المشتركة الملاحة الدولية ليست خطوطًا على الخريطة، بل شبكة حياة تعبر فيها البضائع والأفكار. في عام 2024 بلغت قيمة الصادرات البحرينية إلى اليابان نحو 64.2 مليار ين ياباني (424 مليون دولار أميركي)، فيما وصلت الواردات اليابانية إلى البحرين إلى 91.2 مليار ين (602 مليون دولار) بحسب وزارة الخارجية اليابانية. هذه الأرقام تعكس علاقة ثنائية، لكنها في العمق جزء من سياق أشمل: فاليابان تعتمد على منطقة الشرق الأوسط لتأمين أكثر من 95 % من وارداتها من النفط الخام، وتشكل منطقة الخليج النصيب الأكبر من هذا الاعتماد، بحسب وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية. والبحرين بما تمثله من موقع بحري، يمكن أن تسهم في اختصار هذا الامتداد كجسر بين الخليج من جهة، والشرق الأقصى من جهة أخرى. وفي هذا الامتداد يلعب مضيق ملقا دور القلب النابض؛ إذ يقع بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة ويمتد بطول يقارب 930 كيلومترًا فيما لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 2.8 كيلومتر. غير أن أهمية المضيق لا تقتصر على الدول المشرفة عليه، بل تشمل دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) بأكملها، والتي تضم: إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وتايلاند، والفلبين، وبروناي، وفيتنام، ولاوس، وميانمار، وكمبوديا. وعبر هذا الشريان البحري تمر سنويًا نحو 90,000 سفينة، أي ما يقارب 25 % من حجم التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك غالبية واردات اليابان من النفط القادم عبر المنامة. استقرار هذا الممر الحيوي إذن قضية مشتركة لا تمس اليابان والبحرين فحسب، بل أيضًا أمن واقتصاد منطقة  آسيان.

الطاقة المتجددة والربط الأخضر الطاقة تمثل قلب العلاقة بين البحرين واليابان، إذ لا يتجاوز مستوى الاكتفاء الذاتي للطاقة الأولية في اليابان نحو 12.6 % لعام 2022، ما يعني أن البلاد تعتمد على الواردات لتأمين أكثر من 87 % من احتياجاتها، وذلك بحسب الكتاب الأبيض للطاقة في اليابان لعام 2024. ومعظم هذه الواردات تمر عبر مضيق ملقا في قلب آسيان.  أمام هذا الواقع، أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية في ديسمبر 2024 هدفًا استراتيجيًا يقضي بأن تشكّل مصادر الطاقة المتجددة بين 40 و50 % من إنتاج الكهرباء بحلول عام 2040. هذا التوجّه لا يعني فك الارتباط مع الخليج، بل يعيد تعريف العلاقة من مزوّد تقليدي للنفط إلى شريك في تطوير تقنيات الطاقة النظيفة، مع جعل دول آسيان المهتمة بهذه الطاقة محطة عبور رئيسة في هذا المسار. ومع أن اليابان حدّدت لنفسها هذا الهدف الطموح، فإن بيانات عام 2024 تُظهر أن مساهمة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء لم تتجاوز نحو 13 % فقط بحسب تقرير مؤسسة (إمبر) البريطانية، فيما تشير تقديرات محلية أخرى إلى نسبة تقارب 23 % عند احتساب بعض المصادر منخفضة الكربون ضمن مزيج الطاقة. هذا التباين الإحصائي يعكس اختلاف منهجيات القياس، لكنه يكشف في النهاية عن الفجوة الكبيرة بين الوضع الراهن والطموح المستهدف. هذه الفجوة توضّح حجم التحدي أمام طوكيو، وتفتح المجال أمام دول الخليج، التي بدأت بالفعل في تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، لتكون شريكًا رئيسًا في سد النقص وتسريع التحوّل. وفي هذا السياق، تستطيع البحرين أن تضطلع بدور مزدوج: حلقة وصل لوجستية تربط الممرات البحرية، ومستثمر يخطو نحو المستقبل عبر مشاريعها المتنامية في الطاقة النظيفة، بما يمنحها موقعًا استراتيجيًا يتجاوز حدودها إلى فضاء أوسع يصل آسيان باليابان.

الثقافة البحرية والبعد الأمني وإذا كان الاقتصاد والطاقة يبرران “تلاقي البحار”، فإن الثقافة والأمن يمنحانه معنى إنسانيًا واستراتيجيًا. البحرين واليابان تشتركان في تاريخ بحري طويل: الأولى ارتبطت باللؤلؤ وبناء السفن، والثانية بتاريخها كأمة جزرية. وعبر آسيان، من أرخبيل الملايو إلى الفلبين، تتكرر أنماط مشابهة من التراث البحري.  من هنا يمكن للمنامة أن تتجاوز مجرد استعراض لماضيها البحري، لتقدّم نفسها بوصفها حلقة وصل ثقافية ودبلوماسية تربط بين ضفاف ثلاث مناطق: الخليج، آسيان، واليابان. فحضورها في (إكسبو أوساكا) ليس واجهة دعائية، بل فرصة لإطلاق “تحالف ثقافات بحرية” يقوم على تبادل الخبرات في التراث غير المادي، مثل فنون الغوص وصناعة السفن، وصولًا إلى التعاون في متاحف البحر وبرامج التعليم المشترك. بذلك تتحول المنامة إلى مركز يربط بين الهويات البحرية المتعددة، ويمنح آسيان موقعًا مركزيًا في هذا الحوار الثقافي، ليس بوصفها معبرًا جغرافيًا فقط، بل شريكًا حضاريًا يعيد للبحر مكانته كذاكرة جماعية ومجال تعاون مستقبلي. لكن البحر ليس ذاكرة فحسب؛ إنه أيضًا مسرح للتوتر. فالممرات الممتدة من مضيق هرمز إلى مضيق ملقا مرورًا ببحر الصين الجنوبي تواجه تهديدات القرصنة والتنافس الجيوسياسي. وهنا يبرز دور البحرين وآسيان مع اليابان في صياغة مبادرة شراكة أمنية تضع أمن الملاحة ضمن استراتيجية شاملة. فالخطر الذي يهدد ناقلة في مضيق ملقا لا يخص كوالالمبور وحدها، بل يمتد أثره إلى طوكيو والمنامة أيضًا، لأن سلسلة الإمداد التي تبدأ من الخليج وتعبر عبر آسيان وصولًا إلى اليابان مترابطة مثل خيط واحد، وإذا انقطع في نقطة، تعطلت الدائرة كلها. إن تحويل هذا التحدي إلى فرصة يتطلب وضع قواعد للأمن البحري بالتنسيق مع آسيان واليابان. فكما يمكن للبحرين أن تقدم خبرتها في دبلوماسية الطاقة والموانئ، يمكن لآسيان أن تساهم بخبرتها الميدانية في إدارة المضائق، بينما تضيف اليابان إمكاناتها التقنية في المراقبة والأمن البحري. هذه الأدوار المتكاملة تجعل من الأمن البحري ليس مجرد استجابة للأزمات، بل ركيزة استباقية تعزز الاستقرار في كامل المحيط الممتد بين الخليج والشرق الأقصى. بهذا يصبح البحر مجالًا مزدوجًا: ذاكرة ثقافية تحفظ هوية الشعوب، وساحة أمنية ترسم ملامح شراكات استراتيجية جديدة. فالتحالف البحري لا يقتصر على استدعاء الأمجاد الماضية، بل يؤسس لبنية أمان مستقبلية تعيد تعريف علاقة المنامة وآسيان واليابان مع البحر كقدر مشترك لا يمكن الانفصال عنه.

آفاق البحار المشتركة تكشف قراءة الأرقام ما وراءها: تجارة تنمو، وطاقة تبحث عن مصادر نظيفة، وموانئ تتوسع، وثقافات تتلاقى. إن الممرات البحرية في آسيان تربط اليوم البحرين باليابان بصورة أوضح من أي وقت مضى، لتتحول من مجرد خطوط إبحار إلى أعمدة استراتيجية للتنمية والتعاون. الزيارة المرتقبة لصاحب السمو ولي العهد إلى أوساكا تتيح فرصة عملية لتجسيد هذا المسار، لكنها في النهاية ليست غاية بحد ذاتها، بل خطوة ضمن مشروع أوسع يعيد صياغة موقع المنامة في آسيا الجديدة.  المستقبل هنا ليس وعدًا نظريًا، بل أفقا ملموسًا: أن تتحول البحار من نقاط توتر إلى جسور تنقل التنمية والشراكة. وفي هذا الأفق، لا تبدو آسيان مجرد ممر جغرافي، بل مساحة تربط اليابان بالخليج وتمدّ بينهما خيوطًا من التجارة والطاقة والثقافة، لتتشكّل رواية مشتركة تؤكد معنى “تلاقي البحار” .

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور