الحانوتي الكاريزمي وصناعة النعوش وغرفة الثقافة المتهالكة
| سيد ضياء الموسوي
في فندق السعادة، ثمّة غرفة مهملة لا يقصدها كثيرون: غرفة الثقافة. ولأن تكون مثقفًا سعيدًا، لا يكفي أن تملأ رأسك بالكتب، بل أن تمتلك عقلًا نقديًا يقاوم إغواء الجماهير ويكسر صنم الزعيم. فالجماهير، إن تُركت بلا وعي، تتحوّل إلى وحش بألف رأس، يصفّق للمحرقة وهو يظنّها عيدًا، ويهتف للهاوية وهو يراها جنّة. الثقافة هنا ليست زينة بل مناعة. أن تتذوّق علوم الإنسان، أن تفهم الأنثروبولوجيا، أن تنفتح على الفلسفة، أن تؤمن بالدولة المدنية، أن تقيس الإنسان بإنسانيته لا بطائفته أو عرقه أو دينه. هذه هي اللقاحات التي تقيك من حشيش الوهم وبرمجة القطيع، حتى لا تُقاد إلى الجحيم وأنت تُصدّق أنك تسير نحو الفردوس. من غرف فندق السعادة التي طرحتها هي غرفة الثقافة وكي تكون مثقفًا سعيدًا لابد أن تتحلى بأمور مهمة: الثقافة المتنوعة، علوم أنثروبولوجية، العقل النقدي بأن لا تقبل بأن الجمهور أو زعيم الجماهير يقودانك إلى الخرافة أو المحارق الإيديولوجية أو الموت المجاني الغيبي من أجل إشباع مرض الزعيم أو نرجسيته أو غروره أو سوء تقييم موقفه من الحدث السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي. في الغرفة الثقافية لابد أن تؤمن بالعقيدة الإنسانية، وأن تقييمك للإنسان بما هو إنسان لا كونه مسلمًا أو من ديانتك أو طائفتك أو عرقك. الثقافة المتنوعة كالمصل المضاد لفيروس القطيع، تحفظ عقلك من برمجة الأناشيد، ومن حشيش الوهم الذي يُسكّن الجماعة قبل أن تُقاد إلى المحرقة. يقول لوبون: “حين يذوب الإنسان في الجماعة يتنازل عن عقله ويستعير عقل القطيع.” الخطر يكمن لو أن الزعيم أخطأ في الموقف، ستسقط كل الجماعة في المحرقة، وستكون تداعياتها إلى سنين طوال، وعلى أجيال يبقون يأكلون من مائدة البؤس ويشبعون من الجوع جوعًا. إضافة إلى خطورة القبول بأخطاء الزعيم والجماعة، أنك حتى لو ثقبت ثغرة في جدار زنزانة الجماعة، وحاولت الحصول على الحرية، سيكون المصير أن يتم تحريك الجماعة لمواجهتك؛ وهنا يفرض عليك تزيين سجن الجماعة بأن تقبل بكل القيود، وبالجلاد الزعيم، ولا تطلب أي تنوير أو أي حرية. ففي هذا السجن، الحرية تتحول إلى تهمة، والاستقلالية تُقرأ كعُقوق للجماعة، بينما التبعية تُكافَأ بالقبول والدفء الاجتماعي. وعليك أن تقبل بكل الأخطاء، وأن تصفق للكوارث، وأن تدق الطبول للقرارات الكارثية على أنها نجاة ولو تسببت بالجحيم والموت والمحارق. السياق الجمعي يؤثر على عقل الفرد، فتلقائيًا يصبح يحمل نفس القناعات، ونفس التوجهات والأفكار، وذلك بسبب التخدير الجمعي حتى تصبح حتى الخرافات يقينيات، والأعظم عندما تتحول إلى خرافات سياسية. تجربة آش في تأثير القطيع ببعض (Asch Conformity Experiment)، وهي واحدة من أشهر التجارب في علم النفس الاجتماعي (1951). وضع سولومون آش مجموعة من الأشخاص في غرفة لإجراء “اختبار بصري بسيط”. عرض عليهم خطًا واحدًا، ثم ثلاثة خطوط أخرى بأطوال مختلفة، وسألهم: أي خط من الثلاثة يساوي طول الخط الأول؟ الإجابة الصحيحة كانت واضحة جدًا، لا تحتمل اللبس. لكن الفخ: جميع المشاركين كانوا ممثلين متفقين مع الباحث، ما عدا شخص واحد هو موضوع التجربة. الممثلون اتفقوا أن يجيبوا إجابة خاطئة عمدًا. النتيجة: الشخص الحقيقي، عندما رأى الأغلبية تختار الجواب الخطأ، بدأ يتردد. أكثر من ثلث المشاركين (حوالي 37%) غيّروا إجاباتهم الصحيحة ليتوافقوا مع المجموعة، رغم أنهم كانوا يعرفون أن الأغلبية على خطأ. وسولومون آش أثبت أن الفرد، حين يُحاصر بكثرةٍ تُخطئ، قد يختار الخطأ كي لا يشعر بالعزلة. ثلث البشر تقريبًا يضحّون بعقولهم ليبقوا في حضن القطيع. تأثير الجماعة خطير وقد يقود إلى محرقة جماعية إذا لم يوجد من يحاول دق الأجراس والدعوة للحكمة وفهم الظروف والتوازنات. العقل الجمعي خطير والعناد أخطر، وأخطرهم تكرار الخطأ. فرويد سماه ذوبان الأنا. أنت تذوب بكلك في الجماعة كذوبان فص ملح في كوب ماء دون أن تشعر أنك فقدت هويتك واستقلاليتك وكل شيء. فلا يمكن للفرد الذائب في الجماعة أن يكون سعيدًا أو أن يستمتع بغرفة الثقافة في فندق السعادة من كوكتيل الحياة لأنه مسلوب الإرادة والحرية والنقد. الإمام علي (ع) يقول: “كن مع الناس ولا تكن منهم. كن مع أوجاعهم لكن لا تكون عقليتك كعقليتهم، والأمر من ذلك إذا كان الزعيم غير حكيم قد يقودهم إلى المحارق أو الموت، وهم يضحكون”. هذا ما سميته “الحانوتي الكارزمي”. الحانوتي الكاريزمي: ليس حارس الحياة بل حارس القبور، ليس منقذ الجماعة بل سادن موتها. زيجمونت باومان في كتابه “الحداثة السائلة” حذّر من مجتمعات تذيب الفرد في جماعة بلا معنى. وهنا نرى التسييل الأشد قسوة: الذات تُذاب في نعش، والحياة تُختصر في جنازة للحل. مُستثمر في صناعة النعوش؛ هذا المستثمر الذي يعرف كيف يغنّي للأحياء ليمشوا بأقدامهم إلى الجحيم. في البداية قد يبدأ بريئًا حتى يجرّب أن يكون إلهًا، فيُصبح حانوتيًا بنبرة أخلاقية على سجادة من دماء. ومن صفاته أن كارزميته لا تشبه إشراقة الأنبياء، بل تشبه قسوة حفّار قبور. ليس نبيًا ولا مُصلحًا، بل حفّار قبور يعرف كيف يُزيّن التوابيت، وكيف يغنّي للأحياء ليمشوا بأقدامهم إلى الجحيم، لقد أتقنت الأيديولوجيا خلط مقاديرها في جسده: قليل من البرانويا، كثير من الحكايات الغيبية، جرعات من الأساطير، وكمية مركّزة من ثقافة الفناء، فخرجت لنا شخصية تُغوي الجماعة بقداسة الموت كما لو كان نجاة ذهبية، ويُغويهم بالخلود عبر باب المقبرة، ويقدّم لهم الفناء كأنه خلاصٌ مقدّس. فكم من زعيم أدخل الأمم للمحرقة وبكل الأيديولوجيات والطوائف والأديان بلا استثناء، من لا ديني إلى ديني إلى شيوعي أو قومي أو بعثي؟ يخرج الزعيم من كل هذه الأيديولوجيات ليُقنع الجماعة أن موتها هو انتصارها، وأن فناءها هو خلودها، رغم أنه يدرك أن غيابه قد يعني انهيار الحكاية. لكن السؤال الذي يظل معلقًا: هل ينجو الإنسان حين يذوب في الأسطورة، أم أنه يُمحى معها في النهاية؟ هنا نرى آلية الارتباط الوجداني (Attachment) تعمل على مستوى جماعي: الأتباع يذوبون في شخصية الأب–القائد، فيمنحهم ذلك شعورًا بالثبات والهوية. هو يدرك أنّ الأتباع يحتاجون إلى أيقونة ثابتة في زمن سيولة باومان، حيث كل شيء يتبخر. أخطر ما في النفس أنها تُحب قاتلها حين يعدها بالخلود أو الحب أو الغفران. والجماهير ليست دائمًا مظلومة، بل قد تكون ظالمة. هي تُصفق لأجل الدم، وتبكي حين يفيض القبر، تصنع من خطأ الزعيم إنجيلًا، ومن هلاوسه عقيدة، ومن غروره مصير أمة. والجماهير لا تحب الحقيقة، بل تحب من يجعلها تشعر بأنها على حق. يقول أفلاطون: “العامة تُحب من يكذب عليها، وتكره من يصارحها.” وهكذا تتحوّل الأكاذيب إلى يقينيات، والخرافات إلى عقائد سياسية، والزعماء إلى آلهة صغيرة. في الأنثروبولوجيا، يُعرَف هذا بظاهرة “العقل الجمعي”، حيث يذوب الفرد في القطيع، وتُصبح الأخلاق مرنة، والمبادئ قابلة للصفق. هنا يظل الزعيم بائسًا والجماهير أكثر بؤسًا. وهذا ما حدث للجماهير العربية بعد نكسة 67 إلى غزو صدام للعراق إلى كوارث مقتدى إلى مآس الحوثي إلى ما جرى على الناس من 7 أكتوبر من خطوة السنوار وقس على ذلك. يخبرنا غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” أنّ الفرد، حين يذوب في جماعة، يتخلى عن عقله الحر ويستعير عقلًا جمعيًا هلاميًا، يغدو فيه الصواب ما تهتف به الحشود، والخطيئة ما ترفضه الجموع، لا ما يقرره العقل أو الضمير. هكذا تتحول الجماهير إلى كائن واحد، عملاق في حجمه، لكن طفولي في وعيه، مندفع في غرائزه، قابل لأن يُقاد بجرّة شعار أو نغمة خطاب. فالجماهير لا تُقتل من الخارج إلا بعدما تنتحر من الداخل. وهنا أطرح أمثلة كيف إذا كان الزعيم مريضًا نفسيًا أو غير حكيم أو مغيبًا عن الواقع يقود الناس للهلاك، وله قدرة على صناعة النعوش، من غيانا إلى تكساس، من كاليفورنيا إلى أوغندا، المشهد واحد. جونز تاون (Jonestown Massacre) – غيانا 1978 القائد: مؤسس “معبد الشعوب” (Peoples Temple) أقنع أتباعه (حوالي 900 شخص) أن “الله” يطلب منهم الانتحار الجماعي لتفادي وقوعهم في يد الأعداء. النتيجة: ماتوا جميعًا بشرب سم السيانيد (ومن بينهم 300 طفل). كثير من الناجين قالوا إنهم اعتقدوا أن ذلك هو “الخلاص الإلهي”. فرقة “دايفيد كوريش” – واكو، تكساس 1993 - القائد: دايفيد كوريش (David Koresh). - ادّعى أنه “الحمل المسيحاني الأخير”، وأن الله اختاره لقيادة أتباعه في حرب نهاية الزمان. - بعد حصار طويل مع الشرطة الأمريكية، أُشعلت النيران في مقر الطائفة فمات أكثر من 80 شخصًا (بينهم 25 طفلًا). - الأتباع كانوا مقتنعين أن الطاعة المطلقة للقائد = طاعة الله. بوابة السماء (Heaven’s Gate) – كاليفورنيا 1997 والقائد: مارشال آبلوايت (Marshall Applewhite). أقنع 39 شخصًا أن أرواحهم ستلتحق بمركبة فضائية خلف مذنّب “هال-بوب”، وأن الانتحار هو الطريق للنجاة الروحية. جميع الأتباع انتحروا طوعًا في طقس جماعي. جماعة “الطريق إلى السماء” – أوغندا 2000 طائفة كاثوليكية متطرفة تُسمى “حركة استعادة الوصايا العشر”. أقنع القادة الأتباع أن نهاية العالم قريبة جدًا. - عندما بدأت التنبؤات تفشل، جمعوا أكثر من 700 شخص وأحرقوهم في كنيسة مغلقة. - الناجون وصفوا كيف كان القادة يكررون: “الله يريد هذا”. التفسير السيكولوجي المشترك كلها قصص تتشابه في آليتها: زعيم يتقمص دور “صوت الله”، جماعة ضعيفة تبحث عن معنى، عقل جمعي مغلق لا يسمح بالشك، ونهاية واحدة: الموت الجماعي. هذا حدث لأغلب الأديان والأيديولوجيات والأعراق والدول، من هتلر إلى موسوليني إلى ستالين إلى عبد الناصر وصدام والإخوان المسلمين وحزب الدعوة والحوثيين والإيرانيين في مغامراتهم والسنوار، تتكرر القصة. حفّارو قبور يقودون شعوبًا تصفق، وهي تُساق إلى النعوش. تتمثل في: زعيم كاريزمي يقود، جماهير تُصفق، عقل نقدي يُذبح، ثم محرقة تتوارثها الأجيال. إنه الذوبان القاتل، ذوبان الإنسان في نعش، وذوبان الحياة في جنازة. السؤال ليس: كيف نمنع الزعيم من الخطأ؟ بل: كيف نمنع أنفسنا من عبادة خطئه؟ ليس الخطر أن يخطئ الزعيم، بل أن يتحول خطؤه إلى أناجيل تُصفق لها الجماهير. هناك يموت العقل، وتُصبح الحياة مجرد جنازة تمشي على قدمين. إنّ السعادة لا تُبنى في فندق الجماعة، بل في غرفة الثقافة التي لا يسكنها سوى من امتلك شجاعة أن يكون نفسه. حينها فقط، يمكننا أن نسكن غرفة الثقافة في فندق السعادة، وننجو من أن نكون شهودًا على جنازة أنفسنا.