الصمت لغة بلا كلام

| هلا الخباز

"لأننا نتقن الصمت، حملونا وزر الخطايا"، كما تقول غادة السمان. بهذه الجملة أجابتها حينما سألتها عما حصل، وعن الهجوم الذي تعرضت له منهم. لماذا صمتِ؟ لماذا لم تدافع عن نفسك؟ نحن نصمت يا عزيزتي حينما يصبح الكلام بلا جدوى، حينما يصبح الفتق أكبر من الرقعة، وحينما يكون المقابل عزيزاً لا يُرد ولا يُقهر. نحن نصمت حين نُخذل، وحين يُساء فهمنا، وحين نصرخ بداخلنا من الألم. نصمت لأن الحياة علمتنا أن الكلمات قد لا تداوي، ونصمت حين ندرك أن حديثنا لن يغير شيئاً، وأن الصمت أحياناً أبلغ من أي كلام. نحن نولد مفعمين بصوت البكاء، ثم بالكلمات التي نتعلمها لنقدم أنفسنا للعالم: أنا هنا، أنا موجود. لكن مع مرور السنوات المليئة بالتجارب والتراكمات، نكتشف أن الصمت أحياناً أبلغ من كل خطاب، وأن ما لا يُقال قد يكون أقوى أثراً مما يُقال. كما كتب جبران خليل جبران: "في قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء كل ليل فجر باسم، وفي الصمت كلام لا تدركه الكلمات". نحن نصمت حين يغدو الكلام عبثاً، فهناك مواقف لا جدوى فيها من الجدال. الصمت فيها يحفظ الكرامة ويجنبنا الانحدار إلى نزاعات لا ثمار لها. "الصمت أشد إزعاجاً من الكلمات، فهو يترك للآخرين مساحة يملؤونها بخوفهم أو رغباتهم"، كما عبر نيتشه عن قوة الصمت في كثير من الأحيان. الصمت ليس انسحاباً، وليس ضعفاً. كما يقول نزار قباني: "أكره أن يُفسر صمتي ضعفاً، ولكني أكره أكثر أن يُفهم كلامي خطأ". الصمت من اللحظات الباذخة في تأمل الذات، ووسيلة لاكتشاف المسكوت عنه. الصمت هو فسحة بيضاء بين الضجيج الخارجي وصخب الداخل، حيث نستعيد اتزاننا حتى نعي ما نريد، ويعي المقابل ما نقصد. يقول ألبير كامو: "الصمت يساعدنا أن نرى بوضوح أكبر، ففي الصمت لا شيء يخفي الحقيقة". الصمت لغة الحكماء، لغة من يثمنون كلامهم ويعدون للعشرة ليحافظوا على العشرة. فهو يسمح لنا بالتفكير وإعادة الحسابات. هو فعل يعكس القوة الداخلية وقدرة عالية على التحكم في النفس، ما يزيد من هيبتها. الكثيرون أيضاً يرون أن الصمت ضعف أو سلبية أو أنه وسيلة للهروب من ضغوط الواقع، ولكن الواقع أثبت لنا مراراً أننا ندمنا وخسرنا بسبب الحديث لا بسبب الصمت. وهذا ما أثبتته دراسة لجامعة هارفارد (2018) أن الاستماع الفعّال يزيد من قوة العلاقات ويعمّق الثقة أكثر من الإقناع بالكلام. يقودنا الاندفاع لنبرر في مرحلة الشباب، لنشرح، لنرد، حيث يبدو الصمت من وجهة نظرنا ضعفاً أو خسارةً أو انسحاباً يرفع من قدر الخصم. ومع مرور الوقت ووصولنا للنضج بفعل تراكم وتكرار المواقف، يبدأ الصمت يأخذ مكانته كقوة. ونؤمن أن ليس كل معركة تستحق السيف، وليس كل سؤال يحتاج إجابة، وأن صمتنا ما زادنا إلا رفعة. فمع التقدم في العمر، يغدو الصمت حكمة بحد ذاته، بحسب دراسة نشرت في Journal of Aging Studies  أوضحت أن كبار السن يختارون الصمت كآلية لحفظ السلام الداخلي وتجنب النزاعات، معتبرين أن السكوت جزء من العافية. كما أثبت علم النفس الحديث أن "الصمت الواعي" (Mindful Silence) يقلل من مستويات التوتر ويحفز الإبداع. الصمت ليس فراغاً، بل هو امتلاء خفي. هو مساحة تتيح لنا أن نسمع صوت أنفسنا وسط ضوضاء العالم. ومع كل تجربة نخوضها، نتعلم أن الصمت ليس انسحاباً، بل هو قمة الحضور. وكما تقول أمثالنا الشعبية: "إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب". الصمت والكلام وجهان لعملة الحكمة، كلاهما يحتاج إلى توقيت وفطنة. نصمت حين يصبح الكلام ضجيجاً لا يثمر، وحين نحتاج أن نسمع صوت ذواتنا في خضم الصخب. لكننا نتكلم حين يكون الصمت خيانة للحقيقة، أو ظلماً للذات، أو تواطؤاً مع الباطل. العمر والتجارب يعلماننا أن الشجاعة لا تكمن في الكلام فقط، ولا في الصمت وحده، بل في معرفة اللحظة التي يجب أن ننطق فيها، واللحظة التي يجب أن نصمت عنها. كما قال علي بن أبي طالب: "لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل".

كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية