المثقفون.. وصراعاتهم البينية

| أسامة مهران

في‭ ‬خضم‭ ‬التداول‭ ‬لأزمات‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التهميش‭ ‬“المتعمد”‭ ‬لأدوارهم‭ ‬وتسطيحها،‭ ‬شهدت‭ ‬القاهرة‭ ‬انفجارًا‭ ‬مدوّيًا‭ ‬في‭ ‬اتحاد‭ ‬الكتاب،‭ ‬ذلك‭ ‬الاتحاد‭ ‬الذي‭ ‬تأسس‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭ ‬لكي‭ ‬يظلل‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لا‭ ‬ظل‭ ‬لهم‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬ظلال‭ ‬تؤويهم،‭ ‬ولا‭ ‬راعي‭ ‬شرعي‭ ‬لأعمالهم‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬المصادفات‭ ‬الذهبية،‭ ‬فلا‭ ‬حبل‭ ‬سري‭ ‬يصلهم‭ ‬بماضيهم‭ ‬العريق،‭ ‬ولا‭ ‬مرآة‭ ‬تقودهم‭ ‬إلى‭ ‬مستقبلهم‭ ‬المجهول‭.‬

اتحاد‭ ‬الكتاب‭ ‬المصريين‭ ‬تم‭ ‬تأسيسه‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬بردًا‭ ‬وسلامًا‭ ‬على‭ ‬أعضائه،‭ ‬سندًا‭ ‬ووئامًا‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعضاء،‭ ‬لا‭ ‬فضل‭ ‬لرئيس‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬مرؤوس،‭ ‬ولا‭ ‬لمتسلط‭ ‬على‭ ‬كاتب‭ ‬بسيط،‭ ‬الطبقية‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تفشت‭ ‬خلال‭ ‬عقدي‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬جاء‭ ‬اتحاد‭ ‬الكتاب‭ ‬ليقضي‭ ‬عليها،‭ ‬ليقاومها‭ ‬ويقومها،‭ ‬ربما‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬انتشال‭ ‬الجثث‭ ‬الطافية‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الحياة‭ ‬الأدبية،‭ ‬ربما‭ ‬تعود‭ ‬إليها‭ ‬الحياة‭ ‬وربما‭ ‬ينقذ‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬إنقاذه‭ ‬أطواق‭ ‬النجاة‭.‬

الأزمة‭ ‬تفجرت‭ ‬عندما‭ ‬قام‭ ‬الاتحاد‭ ‬“المُبجل”‭ ‬بتحويل‭ ‬الأديبة‭ ‬والشاعرة‭ ‬المصرية‭ ‬المبدعة‭ ‬هبة‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق،‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬سوى‭ ‬أنها‭ ‬احتجت‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬الكتاب‭ ‬لولاية‭ ‬أخرى‭ ‬لمجلس‭ ‬الإدارة‭. ‬السيدة‭ ‬هبة‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬تداول‭ ‬السلطة‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬المثقفين‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬فالديمقراطية‭ ‬الفكرية‭ ‬والتحرر‭ ‬الوطني‭ ‬يفرضان‭ ‬على‭ ‬اتحاد‭ ‬الكتاب،‭ ‬كونه‭ ‬يضم‭ ‬“كريمة”‭ ‬المثقفين،‭ ‬التحلي‭ ‬بسماحة‭ ‬النفس‭ ‬وصفاء‭ ‬القلب‭ ‬ونقاء‭ ‬السريرة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يُدار‭ ‬الاتحاد‭ ‬بسياسة‭ ‬تكميم‭ ‬الأفواه،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬العزل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الثقافي‭ ‬المهم‭.

اتحاد‭ ‬الكتاب‭ ‬أطلقت‭ ‬عليه‭ ‬التسمية‭ ‬تيمنًا‭ ‬بأعضائه‭ ‬المحترمين،‭ ‬وهو‭ ‬يكسب‭ ‬أهميته‭ ‬من‭ ‬المنتمين‭ ‬إليه،‭ ‬يتمتع‭ ‬بالاستقلالية‭ ‬التي‭ ‬تمنحه‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬الرسمية،‭ ‬ذلك‭ ‬رغم‭ ‬تبعيته‭ ‬الإشرافية‭ ‬لوزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬أعضاؤه‭ ‬ليسوا‭ ‬موظفين‭ ‬يتم‭ ‬عقابهم‭ ‬لو‭ ‬أخطأوا،‭ ‬وكيانه‭ ‬ليس‭ ‬خاضعًا‭ ‬للحساب‭ ‬والثواب‭ ‬عند‭ ‬الإجادة‭ ‬أو‭ ‬الإخفاق،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الفشل‭ ‬أو‭ ‬التوفيق،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬ليس‭ ‬مديرًا‭ ‬عامًا‭ ‬لشركة‭ ‬تجارية،‭ ‬ولا‭ ‬رئيسًا‭ ‬لمجلس‭ ‬إدارة‭ ‬بنك‭ ‬أو‭ ‬مصنع‭ ‬أو‭ ‬هيئة‭ ‬عامة‭ ‬أو‭ ‬خاصة،‭ ‬هو‭ ‬رئيس‭ ‬منتخب‭.. ‬صحيح،‭ ‬لكنه‭ ‬منتخب‭ ‬من‭ ‬أعضائه‭ ‬بكامل‭ ‬حريتهم‭ ‬وقناعتهم‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬الاقتراع‭ ‬الحر‭ ‬المباشر،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬الرئيس‭ ‬وفقًا‭ ‬للعرف‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬صلاحية‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬“البدل”،‭ ‬ولا‭ ‬الطرد‭ ‬من‭ ‬“الجنة”،‭ ‬ولا‭ ‬التهديد‭ ‬أو‭ ‬التلويح‭ ‬أو‭ ‬الإحالة‭ ‬للتحقيق‭.‬

للأسف‭ ‬الشديد‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬قد‭ ‬حدث‭ ‬للأديبة‭ ‬الزميلة‭ ‬هبة‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬إلا‭ ‬لأنها‭ ‬عبرت‭ ‬عن‭ ‬رأيها،‭ ‬ولا‭ ‬لشيء‭ ‬إلا‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬مقتنعة‭ ‬بإعادة‭ ‬انتخابه‭ ‬حسب‭ ‬علمي‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬وحسب‭ ‬ما‭ ‬يتواتر‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬أو‭ ‬معلومات‭.‬

هذا‭ ‬الملف‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬الصندوق‭ ‬الأسود‭ ‬المفتوح‭ ‬دائمًا‭ ‬لأحوال‭ ‬الثقافة‭ ‬والمثقفين،‭ ‬والملف‭ ‬ذاته‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬دفعني‭ ‬شخصيًّا‭ ‬للكتابة‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬هبة‭ ‬وعلاء‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬“الاتحاد”‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬أعضائه،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬الشاكين‭ ‬على‭ ‬الجسم‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬يتكون‭ ‬منه‭ ‬هذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬المصري‭ ‬العريق‭.‬

المثقفون‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬لهم‭ ‬ولا‭ ‬قوة،‭ ‬حتى‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تساندهم‭ ‬تعاديهم،‭ ‬والتي‭ ‬تجمعهم‭ ‬تعاقبهم،‭ ‬والجمعيات‭ ‬والاتحادات‭ ‬التي‭ ‬ترعاهم‭ ‬تناصبهم‭ ‬التهديد‭ ‬والوعيد‭.‬

أوضاع‭ ‬مقلوبة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬الاستنجاد‭ ‬بها،‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬اليوم‭ ‬نأتي‭ ‬لكي‭ ‬نشكوها‭ ‬إلى‭ ‬أنفسنا،‭ ‬ونقدمها‭ ‬للمحاكمة‭ ‬الشعبية‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬قانون‭ ‬يعاقب،‭ ‬ولا‭ ‬لوائح‭ ‬تحكم،‭ ‬ولا‭ ‬أعراف‭ ‬تُحترم‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية