النخب المنفصلة عن الواقع!

| كمال الذيب

يميل عدد متزايد منا - أي المحللون والمفكرون والكتاب والسياسيون - إلى تفسير كل شيء تقريبًا من خلال نظرية المؤامرة، هؤلاء يحيلون من خلالها جل ما يصيب البلاد العربية من مصائب، ويحللون بواسطتها ما يحدث في العالم من تحولات وحروب وصراعات، (ونميز هنا بين نظرية المؤامرة والمؤامرات التي تحاك فعليًّا ضد الدول والشعوب، وباعتبار النظرية آلية عمل وحالة إيمانية راسخة والثانية جزءًا من الواقع الموضوعي).  ويتم اللجوء إلى نظرية المؤامرة بدلًا من مواجهة أسئلة الداخل وتحدياته وإشكالاته بشكل علمي وموضوعي. فيصبح العلم مؤامرة والحداثة مؤامرة والعلمانية مؤامرة وحرية المرأة مؤامرة والأوبئة والديمقراطية والحرية والأحزاب والفلسفة مؤامرة.. وهكذا. إن هذا الهروب من مواجهة استحقاقات الداخل ونقلها إلى “التآمر الخارجي” تحديدا، يعبر عن نوع من الكسل الفكري والسياسي، ويُفضي في الغالب إلى إعفاء النفس من المسؤولية والعقل من المساءلة، طالما أن كل ما يحدث هو نتيجة مؤامرة خارجية شيطانية، ومن الطبيعي عندما يسود مثل هذا التفكير أن نلقي على الخارج تقصيرنا وعجزنا الفكري والسياسي والتنموي، واستمرار دوراننا في حلقة مفرغة من الفشل المتراكم. وعندما نتحدث عن السلبية التي تولدها عقيدة نظرية المؤامرة، لا يعني ذلك مطلقًا أنه لا توجد مؤامرات، بل بالعكس تمامًا، حيث تتعرض بلداننا منذ قرون إلى مؤامرات متعددة ومركبة. إلا أن الأخذ بنظرية المؤامرة هو أقرب إلى حالة مرضية وعلة فكرية، أما المؤامرة في حد ذاتها فهي حقيقة موضوعية قائمة وملازمة للمجتمعات البشرية. لذلك، لا يصح إحالة قضايانا الداخلية إلى فعل خارجي، بالرغم من الإقرار بجدلية العلاقة بين الداخل والخارج، وبالتالي يجب البحث عن عيوب الداخل لا عن تسلط الخارج الذي يبحث عن مصالحه وعلى موطئ قدم في كل مكان، فالمنطق السائد عند السياسيين وحتى بين أوساط النخب المثقفة، هو الذي قاد إلى تمكن الخارج من اقتحامنا وانتهاكنا باسم الأمن وباسم السيادة وباسم الاقتصاد وباسم الصداقة والوصاية وحتى باسم نشر الديمقراطية. فالإشكالية، إذا تبدأ بداخلنا وبضعفنا الداخلي وباستعدادنا المستمر والمدهش لاستدعاء هذا الخارج للتدخل في حياتنا واختياراتنا. إن دور النخب غير المنفصلة عن الواقع وعن الناس وارتباطها بقضايا الأوطان والأمة، هو الأساس في تشخيص الواقع وتبصير العقول وتنويرها بعيدًا في سياق العمل على مشروع نهضوي عربي تنويري جديد تكون الجماهير جزءًا منه وهدفه في ذات الوقت.

كاتب وإعلامي بحريني