خربشة ومغزى | "شارل بيلا.. صديق الجاحظ"
| احمد عبدالله الحسين
شارل بيلا Charles Pellat، صديق الجاحظ هكذا هو يريد أن يصف نفسه، وهو من كوكبة المستشرقين الفرنسيين، الذين لهم أثر وخبر في البحوث والتآليف، ويشتهر منهم سلفستر دي ساسي الذي يعتبر شيخ المستشرقين الفرنسيين كما يُلقب. وشارل بيلا مولود في الجزائر عام 1914م، وهو ضالع في بحوث اللغة العربية وأستاذ في معهد الدراسات الإسلامية التابع لجامعة باريس. شارل قدّم ما يُقارب 562 من كتاب، وموضوع، وبحث محقق، ومترجم.
معظم هذا النتاج هو حصيلة شغف معرفي للغة العربية وآدابها، والجاحظ مدارها ومُلهما لها، ورسالة دكتوراه شارل في عام 1953م تميز بها، حيث بسط فيها عنوان عن الوسط البصري وتكوين الجاحظ، وأُسمها بالفرنسية؛ le milieu basrien et la formation de jahiz. ومن مؤلفات شارل التي تناولت الجاحظ؛ الإمامة في مذهب الجاحظ سنة 1961م، والجاحظ ومذهب الخوارج سنة 1970م، والجاحظ والهند سنة 1974م، والنصرانية في نظر الجاحظ سنة 1970م.
وهنالك غيرها مثل؛ كتاب التربيع والتدوير سنة 1955، ورسالة في نفي التشبيه سنة 1953. ومما ترجم شارل للغة الفرنسية كتاب الجاحظ البخلاء نُشر خمسينيات القرن الماضي. أما ما تناوله شارل عن اللغة العربية، تمثل في الكتب التالية؛ اللغة والأدب العربيان سنة 1952م، واللغة العربية الحية سنة 1984م، ومدخل إلى اللغة العربية الحديثة سنة 1974م، والموسوعات في العالم العربي سنة 1966م، ورسالة في الحلم سنة 1973م، وديوان ابن سهيل الأندلسي جمع وتعليق بالعربية سنة 1955م.
هنالك مستشرقين آخرين لهم شغف باللغة العربية وآدابها، منهم مثلا الفرنسي ريجي بلاشير وكتابه تاريخ الأدب العربي، وكذلك الألماني كارل بروكلمان الذي ألّف كتابا بنفس العنوان، والمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب. هذه الكُتب وغيرها تم نشرها في دوائر معرفية ومؤتمرات، وزخم التآليف هذه تيسرت لوجود مصادر ومخطوطات نفيسة في مكتبات أوربا يسرت بحوث الاستشراق، حتى وصل الينا بعض كتب التراث العربي الإسلامي لأول مرة للقارئ العربي، وأحيانا نُقل ما هو مترجم من اللغة الأوربية إلى العربية فأصبح مصدر أول للباحثين عند ضياع النسخة الأصل العربية. التآليف الاستشراقية على قيمتها المعرفية إلا أن بعضها لا يسلم من ليّ النصوص فيما كتبوا وترجموا حتى وافق نزعة ميل وتسيس، وبالمقابل هناك كثير ممن حمل شغف بحضارة العرب المسلمين وطبيعة تراثهم وعيشهم، فكتبوا بمقياس علمي دون هوى ومعايب، ومن هؤلاء فرنسيين خدموا التراث خصوصا في اللغة العربية والآداب كأمثال شارل حينما ذكر في كتابه اللغة والأدب العربيان التالي؛ بفضل الانتشار العظيم الذي عرفه الإسلام، أدركت اللغة العربية مقاما دوليا وأصبحت تتمتع بإشعاع كبير كلغة دينية، أول، وكلغة حضارة، ثانيا. وهذه السيطرة التي أدركتها في العالم الإسلامي جعلت الآداب المحلية المكتوبة بلغة قومية تتوقف لعدة قرون وبوأها سلطة كاملة فيما يخص الميدان العلمي. وفي نفس الكتاب يقول ايضا؛ لقد تكون الآن ضمير قومي لدى العرب، مبني على الاعتزاز بالنفس. ومن الممكن أن يوحد تحت شعار العروبة شعوبا مختلفة، وإذا ما حلت المشاكل المستعصية، أن يساعد على نمو أدب يحتفظ بأصالته ويستغنى عن الاستيحاء من الخارج ويحتل مكانه إلى جانب الآداب الكبرى للإنسانية.
شارل بيلا حينما درس مؤلفات الجاحظ والتي تُعتبر من أمهات الكتب الأدبية، يقول في الجاحظ؛ أنه يستعمل اصطلاحات تجهلها المعاجم، ويرمز إلى أمور يغيب عنا معناها العميق. أما عن بيئة الجاحظ فقال؛ إن الجاحظ نتاجٌ صافٍ للبصرة حيث قضى فيها القسم الأوفى من حياته، ولكن نبتته لم تؤت ثمارها إلا في بغداد، فالبعد عن الديار والغربة شهرته مثل أبو نواس، والكاتب سهيل بن هارون، والأصمعي. لهذا تمثل البصرة النشأة، وبغداد تمثل القمر ليلة البدر للجاحظ، وفيها الحراك العلمي والمؤلفات والانفتاح على البلدان الأخرى، فبرز الجاحظ الأديب والمفكر العبقري.
التراث العربي الإسلامي مُلهم للبشرية، والشغف تفتق له منذ قرون سبقت، ولا زال زخمة يطال الحاضر واستشراف المستقبل.