هل انتهت حرية التعبير في أمريكا؟
| د. أحمد الخزاعي
في مساء العاشر من سبتمبر 2025، تحولت فعالية طلابية في جامعة وادي يوتا إلى مشهد مأساوي هزّ الولايات المتحدة، حين قُتل الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك برصاص مباشر أثناء مشاركته في مناظرة عامة. لم يكن كيرك مجرد شخصية مثيرة للجدل، بل كان رمزًا لصوت محافظ شاب، أسس منظمة “Turning Point USA” التي لعبت دورًا محوريًا في تعبئة الشباب الجمهوري خلال حملات الرئيس ترامب. لكن ما حدث تلك الليلة تجاوز حدود المأساة الفردية، ليطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل حرية التعبير في بلد طالما تباهى بها. الفعالية التي كان من المفترض أن تكون مساحة للنقاش الديمقراطي تحولت إلى ساحة صراع، وسط احتجاجات طلابية تطالب بإلغاء ظهور كيرك، وأجواء مشحونة تعكس الانقسام العميق في المجتمع الأمريكي. لم يكن الخلاف حول أفكار كيرك جديدًا، لكن أن ينتهي هذا الخلاف برصاصة، فذلك يكشف عن تحول خطير: من الجدل إلى الإلغاء، ومن الاختلاف إلى العنف. لطالما كانت الجامعات الأمريكية منابر للنقاش الحر، حيث تتلاقى الأفكار وتتصادم الآراء. لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في الرقابة الذاتية، وضغوطًا شعبية لإلغاء فعاليات أو طرد متحدثين بسبب آرائهم. مقتل كيرك جاء ليجسد هذا التحول، ويطرح تساؤلات مريرة: هل أصبحت حرية التعبير امتيازًا لفئة دون أخرى؟ وهل بات الاختلاف في الرأي خطرًا يهدد حياة صاحبه؟ ردود الفعل السياسية على الحادثة جاءت متباينة، لكنها اتفقت على وصف ما جرى بأنه “اعتداء على الديمقراطية”. ومع ذلك، فإن التنديد وحده لا يكفي. المطلوب اليوم هو إعادة تعريف المساحات الآمنة للنقاش، وضمان أن تكون حرية التعبير محمية للجميع، لا محصورة في من يتفق معنا. رغم أنني لا أتفق مع تشارلي في كثير من أطروحاته، خاصة تلك التي تنزع إلى التبسيط الشعبوي وتغفل تعقيدات الواقع السياسي، إلا أن لقاءنا في جامعة ميامي قبل عامين شكّل لحظة فارقة في فهمي لطبيعة الحوار العام في الولايات المتحدة. خلال جلسة نقاش مفتوحة، طرحت عليه سؤالًا مباشرًا حول اختزال الخطاب المحافظ لقضايا الشرق الأوسط، ودعوته إلى توسيع زاوية النظر لتشمل السياقات التاريخية والثقافية التي غالبًا ما تُهمّش في الطرح الأمريكي. استمع إليّ باهتمام، وردّ بنبرة هادئة قائلاً إن “الاختلاف البنّاء هو ما يجعل الديمقراطية ممكنة”. لم نتفق في الرأي، لكننا اتفقنا على ضرورة استمرار النقاش. تلك اللحظة، رغم بساطتها، جسدت ما يجب أن يكون عليه الحوار العام: مساحة للاختلاف دون شيطنة، وللتحدي دون تهديد. مقتل كيرك يجب ألا يُختزل في كونه حادثًا مأساويًا، بل يجب أن يُقرأ كتحذير صارخ من انزلاق الحوار العام نحو العنف. لا أحد يجب أن يُقتل بسبب رأيه، ولا يجب أن يُمنع من الحديث لمجرد أنه لا يوافقنا. إن بناء مستقبل ديمقراطي يتطلب شجاعة في الاستماع، وجرأة في الرد، وحكمة في الاختلاف. دعونا لا نرثي كيرك فقط، بل نرثي أيضًا ما آل إليه الحوار العام. ولعل في هذه اللحظة فرصة لإعادة بناء الجسور، لا لحرقها. فالرصاصة التي أنهت حياة ناشط سياسي -اتفقنا أم اختلفنا معه-، قد تكون أيضًا بداية لإعادة التفكير في كيف نحمي حرية التعبير، لا كيف ندفنها. فالعنف السياسي لا يؤدي إلا للمزيد من العنف السياسي.