مُلتقطــات

ملاقيح الفتن!

| د. جاسم المحاري

‭ ‬تبدو‭ ‬آثارها‭ ‬واضحة‭ ‬جليّة‭ ‬في‭ ‬زعزعة‭ ‬الثقة،‭ ‬بل‭ ‬وفقدانها‭ ‬الحتمي‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬المعلومات‭ ‬المضلّلة،‭ ‬والشعور‭ ‬بالقلق‭ ‬والريبة‭ ‬وخلق‭ ‬الانقسامات‭ ‬وتأجيج‭ ‬الصراعات‭ ‬وزيادة‭ ‬التوترات،‭ ‬في‭ ‬مَحِيْن‭ ‬القرارات‭ ‬غير‭ ‬المدروسة‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ ‬تأثيراتها‭ ‬السالبة‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬العامة،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬تحدٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬يُغذي‭ ‬تكوين‭ ‬الأفكار‭ ‬الفاسدة‭ ‬وتشكيل‭ ‬السلوكيات‭ ‬الشاذة‭ ‬نتيجة‭ ‬تناقل‭ ‬المعلومات‭ ‬بسند‭ ‬متذبذب‭ ‬ومصدر‭ ‬مجهول‭ (‬يشهد‭) ‬بصحتها‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬المتداولة‭ ‬“شفاهة”‭ ‬وسط‭ ‬فضاء‭ ‬من‭ ‬تخيلات‭ ‬خرافية‭ ‬وضغط‭ ‬اجتماعي‭ ‬وغموض‭ ‬مبهم‭ ‬ينتشر‭ ‬بشكل‭ ‬قصدي‭ - ‬أي‭ ‬بفعل‭ ‬فاعل‭ ‬–‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬تتنوع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬إشاعة‭ ‬زاحفة‭ ‬وطائرة‭ ‬وراجعة‭ ‬تُروج‭ ‬ببطء‭ ‬وتختفي‭ ‬بسرعة‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬إشاعة‭ ‬اتهامية‭ ‬وإسقاطية‭ ‬تحطّ‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬وتُسقطه‭ ‬بذميم‭ ‬الصفات،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تسمى‭ ‬بالإشاعة‭ ‬الخوفية‭ ‬والكراهية‭ ‬التي‭ ‬تُطلق‭ ‬بدافع‭ ‬الخوف‭ ‬والكراهة‭ ‬للأشخاص‭ ‬والجماعات‭ ‬الأخرى‭ (‬المنافسة‭)!‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬جملة‭ ‬الأراجيف‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬الأخبار‭ ‬الملفقة‭ ‬والأحاديث‭ ‬السيئة‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬تركن‭ ‬كعادتها‭ ‬على‭ ‬“دعايات‭ ‬سوداء”‭ ‬في‭ ‬سريان‭ ‬إشاعات‭ ‬وأكاذيب‭ ‬مبنيّة‭ ‬على‭ ‬شكوك‭ ‬سوداوية‭ ‬تعمل‭ ‬جاهدة‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬غياب‭ ‬الحقائق‭ ‬والوقائع‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬أو‭ ‬أحداث‭ ‬أو‭ ‬توترات‭ ‬أو‭... ‬إلخ،‭ ‬حتى‭ ‬خيّمت‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬أثبتت‭ ‬شيوع‭ ‬مأساة‭ ‬ما‭ ‬تعارف‭ ‬عليه‭ ‬“الحرمان‭ ‬الإدراكي”‭ ‬في‭ ‬تداولها‭ ‬المعارف‭ ‬المحدودة‭ ‬المملة‭ ‬والممارسات‭ ‬النمطية‭ ‬المتكررة،‭ ‬الغارقة‭ ‬في‭ ‬ديجور‭ ‬الليل‭ ‬الدامس‭ ‬وانقطاعها‭ ‬عن‭ ‬مجريات‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬تغذّيها‭ ‬إثارات‭ ‬التحريض‭ ‬وبلبلة‭ ‬الأفكار‭ ‬دون‭ ‬مرجعية‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬ضوابط‭ ‬قطعية،‭ ‬في‭ ‬نصوصها‭ ‬التي‭ ‬بينت‭ ‬“طردها”‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتخلّف‭ ‬نموها‭ ‬وانزلاقه‭ ‬إلى‭ ‬أتون‭ ‬نمطية‭ ‬بدعية‭ - ‬أسطورية‭ ‬وخرافية‭ - ‬أوجدت‭ ‬بيئة‭ ‬مواتية‭ ‬لإضعاف‭ ‬المعنويات‭ ‬وانكسارها‭ ‬الأبدي‭. 

نافلة‭: ‬

تختبئ‭ ‬كائنات‭ ‬فضائية‭ ‬خلف‭ ‬الجبل‭ ‬مع‭ ‬برودة‭ ‬الشتاء‭.. ‬تُسبّب‭ ‬اللقاحات‭ ‬الموسمية‭ ‬مرض‭ ‬التوحد‭ ‬عندما‭ ‬نجلس‭ ‬أمام‭ ‬المكيف‭.. ‬تُغلِق‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬غدًا‭ ‬بعد‭ ‬اقتراب‭ ‬العاصفة‭ ‬الثلجية،‭ ‬تكثر‭ ‬عمليات‭ ‬خطف‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬الظلام،‭ ‬تُفرض‭ ‬ضرائب‭ ‬بنسبة‭ ‬10‭ % ‬على‭ ‬مستخدمي‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول،‭ ‬تزداد‭ ‬أسعار‭ ‬البترول‭ ‬ورغيف‭ ‬الخبز‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬القادم،‭ ‬تسبب‭ ‬حلوى‭ ‬البيض‭ ‬البلاستيكي‭ ‬مرض‭ ‬السرطان‭ ‬للأطفال‭ ‬الصغار،‭ ‬و‭... ‬إلخ‭. ‬هذه‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الشائعات‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬اللا‭ ‬أخلاقية‭ ‬ووقود‭ ‬الفتن‭ ‬الفتّاكة‭ - ‬التي‭ ‬تستلزم‭ ‬قطع‭ ‬حلقتها‭ ‬الخبيثة‭ ‬بالتّحقق‭ ‬من‭ ‬صحتها‭ ‬ومعالجتها‭ ‬بالمعلومات‭ ‬الدقيقة‭ ‬والمصادر‭ ‬الموثوقة‭ ‬التي‭ ‬تتجنب‭ ‬هدم‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬وتفكيك‭ ‬عرى‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬ونشر‭ ‬العداوات‭ ‬بينهم‭ ‬بما‭ ‬يؤذي‭ ‬مشاعرهم‭ ‬وينتهك‭ ‬حرماتهم‭ ‬ويُضلّل‭ ‬عقولهم‭ ‬ويُمزّق‭ ‬نسيجهم‭ ‬المجتمعي‭ ‬المتماسك‭.‬

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني