مطار جديد يعيد تعريف كمبوديا

| عبدالله بوقس

‭ ‬حين‭ ‬تنشأ‭ ‬مطارات‭ ‬كبرى،‭ ‬لا‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬حركة‭ ‬الطيران‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬هوية‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬شعوبها‭ ‬والعالم‭. ‬هكذا‭ ‬جاء‭ ‬افتتاح‭ ‬مطار‭ ‬“تيكو‭ ‬الدولي”‭ ‬في‭ ‬كمبوديا‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬ليحوّل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬جديدة‭. ‬إنه‭ ‬مشروع‭ ‬يتجاوز‭ ‬الخرسانة‭ ‬والمدارج‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬علاقة‭ ‬البلاد‭ ‬بالعولمة،‭ ‬وإلى‭ ‬تحويلها‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬جغرافي‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬وصل‭ ‬إقليمي‭. ‬وما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بكمبوديا‭ ‬يحمل‭ ‬أصداءً‭ ‬خليجية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬رهانات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والنمو‭.‬

المطار‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬بلغت‭ ‬تكلفته‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أميركي‭ ‬بتمويل‭ ‬سخي‭ ‬من‭ ‬الصين،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مدرج‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬كاندال،‭ ‬بل‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬يعكس‭ ‬رؤية‭ ‬كمبوديا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬علاقتها‭ ‬بالعالم‭. ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬13‭ ‬مليون‭ ‬مسافر‭ ‬سنويًّا‭ ‬في‭ ‬مرحلته‭ ‬الأولى‭ ‬تجعله‭ ‬الأضخم‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬طائرات‭ ‬إيرباص‭ ‬A380‭ ‬وبوينغ‭ ‬747‭. ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الطيران‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬جديدة،‭ ‬وحراكًا‭ ‬سياحيًّا‭ ‬وصناعيًّا‭ ‬وتجاريًّا‭ ‬يغيّر‭ ‬وجه‭ ‬المجتمع‭.‬

تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مليون‭ ‬سائح‭ ‬قد‭ ‬يوفّر‭ ‬نحو‭ ‬1‭,‬500‭ ‬وظيفة‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬مطار‭ ‬“تيكو”‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬طيران،‭ ‬بل‭ ‬منصة‭ ‬لتحفيز‭ ‬قطاعات‭ ‬الضيافة‭ ‬والخدمات‭ ‬والنقل‭ ‬والحرف،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وصعود‭ ‬طبقة‭ ‬وسطى‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬كمبوديا‭. ‬

هنا‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه‭: ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬مطار‭ ‬في‭ ‬كمبوديا‭ ‬لدول‭ ‬الخليج؟‭ ‬الجواب‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬رغم‭ ‬ثروته،‭ ‬يخوض‭ ‬معركة‭ ‬تنويع‭ ‬اقتصاده‭. ‬فكما‭ ‬جعلت‭ ‬كمبوديا‭ ‬من‭ ‬مطارها‭ ‬بوابةً‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬يمكن‭ ‬للخليج‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬شراكاته‭ ‬مع‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬لوجستية‭ ‬وسياحية‭ ‬مشتركة،‭ ‬وفتح‭ ‬خطوط‭ ‬طيران‭ ‬مباشرة،‭ ‬وربط‭ ‬أسواقه‭ ‬بالأسواق‭ ‬الصاعدة،‭ ‬فصناديق‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخليجية‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬المطار‭ ‬مشاريع‭ ‬عقارية‭ ‬وتجارية‭ ‬مشابهة‭ ‬للمناطق‭ ‬الحرة‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المنامة‭ ‬ودبي‭ ‬والرياض‭.‬

لكن‭ ‬أهمية‭ ‬المطار‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فالمطارات‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬مسارح‭ ‬للتواصل‭ ‬الثقافي‭. ‬عبرها‭ ‬يلتقي‭ ‬الناس،‭ ‬وتُفتح‭ ‬أبواب‭ ‬التبادل‭ ‬التعليمي‭ ‬والسياحة‭ ‬العلاجية،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الخليج‭ ‬فرصة‭ ‬لتوسيع‭ ‬نفوذه‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭. ‬فالعالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الطيران‭ ‬كقطاع‭ ‬خدمات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كبنية‭ ‬أساسية‭ ‬لتمرير‭ ‬الأفكار‭ ‬والقيم،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬تمرر‭ ‬البضائع‭ ‬والسلع‭.‬

افتتاح‭ ‬مطار‭ ‬“تيكو‭ ‬الدولي”‭ ‬ليس‭ ‬خبرًا‭ ‬محليًّا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬الاقتصاد‭. ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬والطيران‭ ‬ليس‭ ‬رهانا‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬المسافرين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبل‭ ‬مختلف‭. ‬وكمبوديا،‭ ‬وهي‭ ‬تحلّق‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬جغرافيتها،‭ ‬تقدّم‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للبنية‭ ‬التحتية‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬مفتوح‭ ‬للتعاون‭ ‬والشراكة،‭ ‬وإلى‭ ‬جسر‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬المحلية‭ ‬والدور‭ ‬العالمي‭.‬

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور