العدوان الإسرائيلي على الدوحة ومصير وساطات غزة
| مؤنس المردي
مثل الهجوم والعدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة، الذي استهدف قيادات حركة “حماس” الفلسطينية، تهديدا خطيرًا وتصعيدًا غير مسؤول لأمن المنطقة واستقرارها، كما مثل أيضًا ضربة شديدة لنافذة مهمة من نوافذ الحل، وهي نافذة الوساطة. وعلى الرغم من أن هذا الهجوم قد فشل في تحقيق أهدافه بقتل قادة “حماس”، إلا أنه قد ينجح في نسف إحدى القنوات المتاحة لإنهاء حرب غزة.
فقد كانت قطر لاعبًا محوريًا في جهود التهدئة، واستثمرت علاقاتها الجيدة بمختلف الأطراف المعنية في الإسهام بالتوصل لاتفاقات تهدئة بين “حماس” وإسرائيل، وكان المرتكز الأهم لهذا النجاح هو توافر الضمانات اللازمة للتفاوض بين طرفي الصراع، فكانت قطر مصدر ثقة ووجهة “آمنة” لنقل وتبادل الرسائل بين إسرائيل و “حماس”.
وفي تصريح دال على حجم التأثير السلبي على خيار ودور الوساطة في حرب غزة، قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن قطر تعيد تقييم كل شيء فيما يخص دورها في الوساطة، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان “يضيع” وقت قطر في الوساطة.
قد يكون ما تحدث عنه رئيس الوزراء القطري هو ما كانت تهدف إليه إسرائيل من هجومها ومحاولتها قتل قادة “حماس” على الأراضي القطرية، أي القضاء على خيار الوساطة والعمل فقط على هدف تدمير حماس وإنهاء وجودها. ولكن السؤال هل هذا هو ما سيتحقق بالفعل، وما تأثير ذلك على أمد حرب غزة؟
لا يمكن وضع إجابة وحيدة لهذا السؤال، إذ قد يؤدي الهجوم الإسرائيلي الأخير ضد الدوحة بالفعل إلى غياب الوساطة القطرية عن المشهد، وهو ما يجعل من احتمالات التوصل إلى اتفاق ينهي حرب غزة أبعد من أي وقت مضى، خصوصا أن الرسائل السلبية والمخاطر الهائلة للهجوم الإسرائيلي ضد الدوحة ستكون مانعة لمسارات الوساطة الموازية “المصرية” والمشابهة لها، وهو ما يعني استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة واتساع دائرة الدمار والمعاناة الإنسانية.
هناك احتمال آخر بأن تكون الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة حماس في الدوحة حافزًا وإيذانًا بمرحلة أخرى تشهد تراجع وساطات “الدول” لصالح وساطات “المجموعات” أي التي تقوم بها دول مجتمعة عدة، ومن ذلك البحث عن صيغة وساطة أوسع تضم مصر وتركيا والأمم المتحدة، مع بقاء قطر طرفًا فاعلًا فيها، لاسيما مع تصاعد الضغط الدولي على إسرائيل والانتقادات المتزايدة لخرقها السيادة القطرية، وهو أمر قد يدفع إسرائيل ويجبرها على الإسراع والمرونة في التوصل لصفقة تبادل أسرى وهدنة مؤقتة كي يتجاوز المجتمع الدولي مرحلة وصدمة هجومها ضد قادة حماس على الأراضي القطرية.
المؤكد في الأمر أن الضربة عطلت مسارًا تفاوضيًا كان قائمًا، وأن استئناف هذا المسار التفاوضي سيأخذ بعض الوقت وسيشهد العديد من الترتيبات التي تضمن أن تكون عودته بشكل آمن وفاعل، فالعدوان الإسرائيلي لم يوجه ضربة لوساطة الدوحة فحسب، بل غيّر قواعد اللعبة في المنطقة. فإمّا أن يتحول إلى بوابة لوساطة جماعية أكثر صلابة، أو أن يكون سببًا في إطالة أمد الحرب. وفي الحالتين، يبقى إنهاء حرب غزة مرهونًا بقرار سياسي إسرائيلي لم يحن أوانه بعد أو لم يجد البيئة الإقليمية والدولية التي تفرضه فرضًا.