وزارة التربية ومناهج الأخلاق
| أحمد جعفر
مع بداية العام الدراسي الجديد في البحرين، هناك كلمة حق وجب قولها في وزارة التربية والتعليم التي تعيش اليوم مرحلة متجددة بفضل رؤية شابة وفكر عصري يقوده د. محمد مبارك جمعة. ولمس الميدان التربوي حيوية جديدة خلال السنوات المنصرمة، انعكست على مختلف جوانب العملية التعليمية من رفع كفاءة المعلمين وتطوير المناهج وتحديث البنية التحتية للمدارس، وصولًا إلى إدخال التقنيات الحديثة في الدراسة. لقد أصبحت وزارة التربية والتعليم أكثر رشاقة في استجابتها للتحديات المختلفة واحتياجات الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور على حد سواء، وهذا ما لمسته كولي أمر لابنتين نقلتهما من مدرسة خاصة إلى حكومية مؤخرًا. ومع ذلك، ورغم كل الإنجازات التي تستحق التقدير والثناء، فإن منظومة التعليم في البحرين أراها تفتقر إلى ركيزة جوهرية ألا وهي سن مناهج خاصة بالأخلاق - بعيدًا عن مناهج التربية الإسلامية المعتادة - وذلك بهدف تربية النشء على القيم النبيلة واحترام الأنظمة. وبينما يعرف معظم الناس الفرق بين الصواب والخطأ، فإن التحدي الأكبر بالنسبة للناشئة هو كيفية مساعدتهم على التعامل مع القضايا الأخلاقية التي قد يواجهونها في مختلف مناحي حياتهم. مثال بسيط: نحن نقول للطفل في الصف الأول الابتدائي أن السرقة فعل محرم شرعًا وعقوبته نار جهنم، لكنه قد يقدم على هذا التصرف رغم إدراكه بأنه خاطئ. أما التربية الأخلاقية الحقيقية فترشد ذلك الطفل إلى أن ما أخذه ليس من حقه، وأن الطريق الصحيح للحصول عليه هو شراؤه بماله، وهنا ينتقل الطفل من الخوف من عقاب إلهي في الآخرة إلى فهم قيمة العدل واحترام حقوق الآخرين في الدنيا. في اليابان على سبيل المثال، تُدرس مادة التربية الأخلاقية كمقرر مستقل في المدارس منذ المراحل الأولى، وتهدف إلى غرس قيم مثل الصدق والانضباط واحترام القوانين عبر الحوار والمواقف العملية بعيدًا عن الامتحانات ومسألة النجاح والرسوب. وأثبتت تجربة اليابان نجاحها في بناء مجتمع منظم وواعٍ بالقيم المشتركة والوعي الجمعي. ولأن مقررات التربية الأخلاقية في اليابان لا ترتبط بالتعاليم الدينية، فإن الناس هناك أكثر مرونة وغير متعصبين بشأن المسائل الدينية بعدما تقلصت الأدوار المجتمعية للمعابد والأضرحة البوذية. إن الأخلاقيات تُدرس بالفعل بشكل فرعي في كثير من المقررات العلمية بالكليات والجامعات، بما في ذلك أخلاقيات المهن، ولكن ترسيخ مبادئ الأخلاق القائمة على النزاهة والصدق والشفافية والعدالة والإنصاف والتسامح.. وغيرها، من الفضائل منذ الصغر، يساهم في بناء شخصية الإنسان طوال حياته؛ وبالتالي تنشئة أجيال على قدر عالٍ من المواطنة المسؤولة. كما أن إدخال مناهج الاخلاق في قلب العملية التربوية سيمنح البحرين ميزة تنافسية في الاستثمار بالإنسان قبل أي شيء آخر، لاسيما أن الأخلاق تحفز أيضًا الفضول الفكري والتطور المعرفي لدى الأطفال، إذ تشجعهم على التساؤل والاستكشاف وفهم العالم من حولهم، ما يعزز التفكير النقدي وقدرات حل المشكلات. كل ذلك يجعل من مناهج الأخلاق في جميع المراحل التعليمية لدينا ضرورة وليست رفاهية. * كاتب بحريني