من طهران للدوحة.. الهواتف النقالة حصان طروادة في الحروب الحديثة
| ياسر سليم
استهدفت الطائرات العسكرية الإسرائيلية حاملي هواتف تخص قيادات حركة حماس في قطر أمس الأول، لكن القيادات نفسها نجت؛ لأن الصواريخ الذكية تتبعت الهواتف باعتبار أن القيادات تحملها، لا مساعديهم. لم تعد ساحات المعارك إذن محصورة في الميادين التقليدية، بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الهواتف النقالة سلاحًا فتاكًا في يد القوى العسكرية. ما كشفته تقارير صحفية أخيرا حول الاستهداف الإسرائيلي لقيادات إيرانية، وما تبعها من ضربة مماثلة لقيادات في حركة حماس بقطر، يؤكد أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل هي المحور الرئيس في عمليات الاستهداف الدقيق.
من طهران إلى قطر.. بصمة تقنية واحدة في حادثة أثارت صدى واسعًا، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن تفاصيل صادمة حول عملية “الزفاف الأحمر”، التي استهدفت نخبة من العلماء والمسؤولين الإيرانيين. لم يكن الاختراق عبر الهواتف الشخصية للقيادات العليا، بل من خلال هواتف حراسهم الشخصيين وسائقيهم. هذه الثغرة الأمنية البسيطة سمحت لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بتتبع تحركات كبار المسؤولين، وتوجيه ضربات جوية دقيقة لمواقع حساسة، بما في ذلك مخبأ سري تحت الأرض، كان يضم أعضاء “المجلس الأعلى للأمن القومي” الإيراني. تكرر هذا السيناريو، وإن كان بتفاصيل مختلفة، في الضربة الأخيرة التي استهدفت قيادات في حركة حماس بقطر. تشير التكهنات إلى أن عملية الاستهداف تمت بناءً على معلومات دقيقة تم الحصول عليها من خلال تتبع الهواتف المحمولة أو الأجهزة الإلكترونية الأخرى، لكن قيادات “حماس” الذين يعيشون في توجس دائم من الاستهداف، تحسبوا لذلك، تاركين هواتفهم في مكان آخر غير الذي كانوا فيه فعلا. هذا يبرز دور الاستخبارات الإلكترونية في جمع المعلومات وتحليلها في الوقت الفعلي؛ لربط التحركات على الأرض ببصمات رقمية.
التكنولوجيا في خدمة الاستهداف الدقيق لم تعد التقنيات العسكرية تقتصر على الطائرات المسيرة أو الأقمار الصناعية وحدها، بل أصبحت تشكل منظومة متكاملة. الأقمار الصناعية عالية الدقة توفر صورًا استطلاعية، لكنها تُعزز ببيانات تأتي من مصادر أخرى. هنا يأتي دور التجسس الإلكتروني، الذي أصبح قادرًا على اختراق أنظمة الاتصالات، وتحديد مواقع الأفراد عبر إشارات هواتفهم المحمولة، وحتى تحليل محتواها. وتعتمد هذه العمليات على خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تُعالج كميات هائلة من البيانات (Big Data)؛ لتحدد الأنماط السلوكية، وتوقعات التحركات، وتُقدم الأهداف المحتملة بدقة فائقة. حتى مجرد “الاستخدام الطائش لوسائل التواصل الاجتماعي” من قبل الأفراد يمكن أن يكشف عن معلومات بالغة الأهمية.
تحديات أمنية جديدة ما حدث في طهران وقطر يُلقي الضوء على تحدٍ أمني جديد، ففي عالم تُصبح فيه الأجهزة الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، يُصبح الفصل بين الحياة الشخصية والمهام الأمنية أمرًا بالغ الصعوبة. بينما تفرض البروتوكولات الأمنية حظرًا على حمل الهواتف في الاجتماعات السرية، إلا أن هذه الإجراءات لا تمتد دائمًا إلى الحلقات المحيطة بالقيادات، مثل السائقين والحراس. هذه الثغرة البسيطة يمكن أن تكون كافية لتهديد أمن دولة بأكملها. فهل تعتقد أن الحكومات والقوى العسكرية ستستثمر بشكل أكبر في برامج مكافحة التجسس الإلكتروني لحماية قياداتها؟